أثر الألعاب الرقمية التعليمية في تحسين الانتباه والتركيز لدى الأطفال ذوي صعوبات التعلم

أثر الألعاب الرقمية التعليمية في تحسين الانتباه والتركيز لدى الأطفال ذوي صعوبات التعلم


مقدمة

يشهد النظام التربوي المعاصر تحّلات جوهريّة نتيجة التطوّر المتسارع للتكنولوجيا الرقميّة؛ حيث لم يعد التعليم مقتصرا على نقل المعارف بطرائق تقليدية تعتمد على التلقين والحفظ، بل أصبح موجّها نحو بناء التعلّم النشط القائم على التفاعل والمشاركة وتنمية القدرات المعرفيّة العليا. وقد فرض هذا التحول إعادة النظر في الأدوات البيداغوجية المعتمدة داخل الفصول الدراسيّة خاصّة في ظل تزايد الاهتمام بمبدأ تكافؤ الفرص التربوية وحق جميع المتعلمين بمن فيهم الأطفال ذوو صعوبات التعلم في الاستفادة من تعليم ذي جودة.

وفي هذا السياق برزت الألعاب الرقميّة التعليمية كأحد المستحدثات التربوية التي حظيت باهتمام متزايد من قبل الباحثين والممارسين التربويين نظرا لما تحمله من إمكانات سيكوبيداغوجية تسمح بدمج المتعة بالتعلم، وتحويل المواقف التعليميّة الجافة إلى خبرات تفاعلية غنية بالمثيرات المحفزة. فالألعاب الرقمية لم تعد مجرد وسيلة للترفيه بل أضحت أداة تعليمية قائمة بذاتها قادرة على استثارة الدافعية وتنظيم الانتباه وتعزيز التركيز وهي عناصر أساسية في عمليّة التعلّم الفعال.

تتجلى أهمية هذا الموضوع بشكل خاص عند الحديث عن الأطفال ذوي صعوبات التعلم الذين يعانون من اضطرابات نمائية ومعرفية تؤثر بشكل مباشر في قدرتهم على التكيف مع متطلبات البيئة المدرسية. إذ تشير الأدبيّات السيكولوجية والتربوية إلى أن من أبرز الصعوبات التي تواجه هذه الفئة ضعف الانتباه وتدني القدرة على التركيز لفترات زمنية مناسبة، مما ينعكس سلبا على استيعاب الدروس وإنجاز المهمات والتحصيل الدراسي بصفة عامة . ولا تقتصر آثار ضعف الانتباه والتركيز على الجانب الأكاديمي فحسب، بل تمتد لتشمل الجوانب النفسية والاجتماعية؛ حيث قد يعاني الطفل من مشاعر الإحباط، وانخفاض تقدير الذات وصعوبات الاندماج داخل الصفوف العادية خاصة في سياق التعليم الدامج الذي يهدف إلى إدماج جميع المتعلمين داخل بيئة تعليمية واحدة. ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى اعتماد استراتيجيات تدخل تربوي مبتكرة تراعي الخصائص النمائية لهؤلاء الأطفال وتسهم في تجاوز العوائق التي تعيق تعلمهم.قد أكدت دراسات عديدة أن الانتباه والتركيز يمثلان المدخل الأساسي لاكتساب المعرفة وأن أي خلل فيهما يؤدي إلى ضعف في الفهم واضطراب في الذاكرة وتدني في مستوى التحصيل الدراسي. وبناء عليه أصبح تحسين هاتين الوظيفتين المعرفيّتين هدفا رئيسا للبرامج التربوية الموجهة للأطفال ذوي صعوبات التعلم.

وفي ضوء هذه المعطيات تبرز الألعاب الرقمية التعليميّة كحل تربوي واعد لما تتضمنه من عناصر تشويق وتحدّي وتغذية راجعة فورية، وقدرة على التكيف مع مستوى المتعلم وسرعة تقدمه، فهي تتيح للطفل الانخراط في تجربة تعلميّة نشطة تحفز انتباهه وتحافظ على تركيزه وتخفف من حدة الملل والقلق المرتبطين بالتعلم المدرسي التقليدي.

وانطلاقا مما سبق تسعى هذه الدراسة إلى تحليل أثر الألعاب الرقمية التعليمية في تحسين الانتباه والتركيز لدى الأطفال ذوي صعوبات التعلم من خلال مقاربة نظريّة وتطبيقية تستند إلى علم النفس المعرفي والتربية الدامجة. كما تهدف إلى إبراز الأسس العلمية التي تبرر توظيف هذه الألعاب داخل الصفوف الدامجة تمهيدا لبناء ممارسات تربوية أكثر شمولا وفعالية.

أولا: مفهوم الانتباه والتركيز وأهميتهما


أ- مفهوم الانتباه

يعد الانتباه من المفاهيم المركزية في علم النفس المعرفي، إذ يمثل العملية العقلية التي يتمّ من خلالها توجيه الوعي نحو مثير معين من بين عدد كبير من المثيرات المتزامنة في البيئة الداخلية أو الخارجية. فالإنسان يعيش في عالم مليء بالمعلومات ولا يمكنه إدراكها أو معالجتها كلها في الوقت نفسه لذلك يتدخل الانتباه كآلية انتقائية تسمح باختيار المثيرات الأكثر أهمية أو ارتباطا بالهدف.

ويعرف الانتباه بأنّه القدرة على تركيز الموارد المعرفيّة على مثير محدّد مع تجاهل المثيرات الأخرى غير ذات الصلة وهو بذلك يشكل المرحلة الأولى في سلسلة المعالجة المعرفية التي تسبق الفهم والتخزين في الذاكرة. ومن دون انتباه فعال تصبح المعلومات عرضة للضياع ولا يتم معالجتها بعمق كاف.

يتميّز الانتباه بعدة خصائص من أبرزها المدة، والشدة، والمرونة، والقدرة على الانتقال من مثير إلى آخر. وتعد هذه الخصائص ضرورية لضمان تعلم ناجح داخل البيئة المدرسية، حيث يتطلب التعلم متابعة الشرح، والانتباه للتعليمات، والمشاركة في الأنشطة الصفيةوفي ما يتعلق بالأطفال ذوي صعوبات التعلم تشير الدراسات إلى وجود قصور ملحوظ في آليات الانتباه يظهر في صورة تشتت سريع وصعوبة في تصفية المثيرات غير المهمة وضعف القدرة على متابعة المهمات التعليمية. وبالتالي يؤدي هذا القصور إلى صعوبات متكررة في الفهم وارتكاب أخطاء متعدّدة ممّا يعزز الفجوة التعليمية بينهم وبين أقرانهم.

ب- مفهوم التركيز

يمثّل التركيز امتدادا وظيفيّا للانتباه، ويشير إلى القدرة على الحفاظ على الانتباه موجّها نحو مهمّة أو نشاط معيّن لفترة زمنيّة مناسبة مع مقاومة عوامل التشويش الداخليّة والخارجيّة. فالتركيز لا يتعلّق فقط بتوجيه الانتباه في لحظة معيّنة بل يرتبط بالاستمراريّة والثبات الذهني أثناء أداء المهمّة. يعدّ التركيز شرطا أساسيا لتحقيق الإنجاز الأكاديمي خاصّة في الأنشطة التي تتطلّب جهدا معرفيّا متواصلا، مثل القراءة، والكتابة، وحل المشكلات الرياضية. وكلّما ارتفعت قدرة الطفل على التركيز، تحسّنت كفاءته في معالجة المعلومات وزادت قدرته على الربط بين المفاهيم وتثبيت التعلّم في الذاكرة طويلة المدى،غير أن الأطفال ذوي صعوبات التعلّم يعانون في الغالب من ضعف في التركيز؛ حيث يجدون صعوبة في الاستمرار في المهمّة التعليميّة ويشعرون بسرعة بالإرهاق الذهني أو الملل مما يؤدي إلى الانسحاب من النشاط أو فقدان الدافعيّة. ويعدّ هذا الضعف أحد الأسباب الرئيسة لتدنّي تحصيلهم الدراسي رغم امتلاكهم في بعض الأحيان لقدرات معرفيّة عاديّة أو متوسّطة.

ج- أهمية الانتباه والتركيز في العملية التعليمية

تكمن أهميّة الانتباه والتركيز في كونهما يشكّلان الأساس الذي تقوم عليه جميع العمليّات المعرفيّة العليا، مثل الفهم، والتحليل، والتفكير، وحلّ المشكلات. فالتعلّم الفعّال يبدأ بانتباه موجّه نحو المعلومة، ثمّ يتطلّب تركيزا يسمح بمعالجتها بعمق وربطها بالخبرات السابقة، ففي البيئة الصفّية يلعب الانتباه دورا محوريا في متابعة الشرح وفهم التعليمات والمشاركة في الأنشطة الجماعيّة بينما يسمح التركيز بالاستمرار في أداء المهمّات التعليميّة دون انقطاع وعندما يضعف هذان العنصران يصبح التعلم سطحيا ومجزأ، ولا يحقق الأهداف التربوية المرجوة، أما بالنسبة للأطفال ذوي صعوبات التعلّم تكتسب تنمية الانتباه والتركيز أهميّة مضاعفة لأنّهما يمثّلان مدخلا أساسيا لتعويض جوانب القصور الأخرى. فالتدخّل التربوي الذي يستهدف تحسين هاتين الوظيفتين يمكن أن ينعكس إيجابا على مهارات القراءة والكتابة والحساب ويسهم في تعزيز الثقة بالنفس والاندماج المدرسي.

ومن هذا المنطلق تبرز الحاجة إلى اعتماد أساليب تعليميّة مبتكرة تراعي الخصائص المعرفيّة والنمائيّة لهؤلاء الأطفال وتوفّر لهم بيئة تعلّميّة جاذبة تساعدهم على توجيه انتباههم والحفاظ على تركيزهم. وتعدّ الألعاب الرقميّة التعليميّة من أبرز هذه الأساليب لما تمتلكه من قدرة على الجمع بين التفاعل والمتعة وتحقيق الأهداف التعليميّة.

ثانيا: أنواع الألعاب الرقمية التعليمية


تتنوّع الألعاب الرقميّة التعليميّة من حيث أهدافها التربويّة وبنيتها المعرفيّة وآليّات التفاعل التي تعتمدها، ممّا يجعلها أداة مرنة قابلة للتكييف مع حاجات المتعلّمين المختلفين ولا سيّما الأطفال ذوي صعوبات التعلّم. ويكتسي هذا التنوّع أهميّة خاصّة في سياق التربية الدامجة، إذ يسمح باختيار النوع الأنسب لتنمية الانتباه والتركيز وفقا لخصائص كلّ فئة.

أ- الألعاب التدريبية وتنمية القدرات المعرفية

تعد الألعاب التدريبية من أكثر أنواع الألعاب الرقميّة التعليميّة شيوعا وهي تركّز أساسا على تنمية مهارات معرفيّة محدّدة مثل الانتباه والذاكرة وسرعة المعالجة والتمييز البصري والسمعي. وغالبا ما تقدَّم هذه الألعاب في شكل تمارين تفاعليّة قصيرة ومتدرجة في مستوى الصعوبة مما يسمح للطفل بالتدرب المستمر دون الشعور بالمللتتميّز هذه الألعاب بقدرتها على استهداف عمليّات معرفيّة دقيقة؛ حيث يتمّ تصميمها بناء على مبادئ علم النفس المعرفي مثل مبدأ التدرّج والتكرار الوظيفي والتغذية الراجعة الفوريّة. ويؤدّي هذا النوع من الألعاب دورا مهما في تدريب الطفل على توجيه انتباهه نحو مثيرات محدّدة والحفاظ على تركيزه أثناء إنجاز المهمّة ممّا ينعكس إيجابا على أدائه داخل الفصل الدراسي.

وبالنسبة للأطفال ذوي صعوبات التعلّم تساهم الألعاب التدريبيّة في تعويض القصور في الانتباه والتركيز من خلال تقديم أنشطة قصيرة وواضحة الأهداف، تسمح لهم بالنجاح التدريجي وتعزّز ثقتهم بقدراتهم المعرفيّة.

ب- ألعاب المحاكاة والتعلم القائم على الخبرة

تمثّل ألعاب المحاكاة نوعا متقدّما من الألعاب الرقميّة التعليميّة، إذ تتيح للطفل التفاعل مع مواقف افتراضيّة تحاكي الواقع وتضعه في سياقات تعلّميّة قريبة من حياته اليوميّة. ويعتمد هذا النوع من الألعاب على مبدأ التعلّم بالخبرة؛ حيث يتعلّم الطفل من خلال التجربة واتّخاذ القرار وملاحظة نتائج أفعاله، إذ تسهم ألعاب المحاكاة في تحسين الانتباه والتركيز من خلال إشراك الطفل في أنشطة ذات معنى تتطلّب منه متابعة الأحداث وتحليل المعطيات واتّخاذ قرارات متتابعة. كما تساعد هذه الألعاب على تنمية الوظائف التنفيذيّة مثل التخطيط، وضبط الذات، وحلّ المشكلات وهي وظائف ترتبط ارتباطا وثيقا بالتركيز المستمر.

وفي سياق صعوبات التعلّم تكتسي ألعاب المحاكاة أهميّة خاصّة لأنّها تقلّل من الطابع التجريدي للتعلّم وتقدّم المفاهيم في إطار ملموس وتفاعلي ممّا يساعد الطفل على الحفاظ على انتباهه وفهم المحتوى بشكل أعمق.

ج- ألعاب حل المشكلات والتفكير المنطقي

تركّز ألعاب حلّ المشكلات على تنمية التفكير المنطقي والتحليلي من خلال وضع الطفل أمام تحدّيات معرفيّة تتطلّب البحث عن حلول وتنظيم المعلومات واختبار الفرضيّات. ويُعدّ هذا النوع من الألعاب مناسبا لتدريب الطفل على التركيز المستمر لأنّ إنجاز المهمّة يتطلّب متابعة متواصلة وتجنّب التشتّتتسهم هذه الألعاب في تعزيز الانتباه الانتقائي؛ حيث يتعيّن على الطفل التمييز بين المعطيات المهمّة وغير المهمّة وتركيز جهده الذهني على العناصر الأساسيّة. كما تساعد على تنمية الصبر والمثابرة وهما عنصران أساسيّان في التعلّم الأكاديمي، أما بالنسبة للأطفال ذوي صعوبات التعلّم يمكن أن تشكّل ألعاب حلّ المشكلات وسيلة فعّالة لتنمية التركيز شريطة أن يتمّ تكييف مستوى الصعوبة بما يتناسب مع قدراتهم وتقديم الدعم التدريجي عند الحاجة.

د- الألعاب القصصية والتعلم القائم على السرد

تعتمد الألعاب القصصيّة على السرد التفاعلي؛ حيث ينخرط الطفل في قصّة رقمية تتطوّر أحداثها بناء على اختياراته وتفاعله مع عناصر اللعبة. ويتميّز هذا النوع من الألعاب بقدرته العالية على جذب الانتباه نظرا لاعتماده على التشويق وتسلسل الأحداث والارتباط العاطفي بالشخصيّات؛ حيث تؤدّي الألعاب القصصيّة دورا مهمّا في تحسين التركيز المستمر، إذ تدفع الطفل إلى متابعة مجريات القصّة والتركيز على التفاصيل وانتظار النتائج ممّا يعزز قدرته على الاستمرار في النشاط التعليمي لفترات أطول، كما تساهم في تنمية اللغة والخيال والقدرة على الفهم القرائي، وفي حالة الأطفال ذوي صعوبات التعلّم تتيح الألعاب القصصيّة فرصة للتعلّم في بيئة خالية من الضغوط وتساعدهم على الانخراط العاطفي والمعرفي في النشاط ممّا ينعكس إيجابا على انتباههم وتركيزهم.

ثالثا: آليات تأثير الألعاب الرقمية التعليمية على التحصيل الدراسي


تؤثّر الألعاب الرقميّة التعليميّة في التحصيل الدراسي للأطفال ذوي صعوبات التعلّم عبر مجموعة من الآليّات النفسيّة والمعرفيّة المتداخلة التي تعمل مجتمعة على تحسين الانتباه والتركيز ومن ثمّ تعزيز التعلّم الفعّال.

أ- تنمية الدافعية الداخلية للتعلم

تعدّ الدافعيّة من العوامل الحاسمة في نجاح العمليّة التعليميّة وتشير إلى القوّة الداخليّة التي تدفع المتعلّم إلى الانخراط في النشاط والاستمرار فيه. وتتميّز الألعاب الرقميّة بقدرتها على رفع مستوى الدافعيّة الداخليّة من خلال ما توفّره من تحدّيات مشوّقة وتعزيز فوري للإنجاز ونظام مكافآت رمزي يشجّع الطفل على التقدّم.

يؤدّي ارتفاع الدافعيّة إلى تحسين الانتباه، لأنّ الطفل يصبح أكثر استعدادا لتوجيه جهده الذهني نحو المهمّة وأكثر قدرة على الحفاظ على تركيزه. وبالنسبة للأطفال ذوي صعوبات التعلّم الذين يعانون غالبا من انخفاض الدافعيّة نتيجة الإخفاقات المتكرّرة تمثّل الألعاب الرقميّة فرصة لإعادة بناء العلاقة الإيجابيّة مع التعلّم.

ب- تنظيم الانتباه وتقليل المشتتات

يسهم التصميم الجيّد للألعاب الرقميّة في تنظيم الانتباه من خلال توجيه الطفل نحو مثيرات محدّدة تخدم الهدف التعليمي، مع الحدّ من المثيرات غير الضروريّة. فالألوان والحركة والمؤثّرات السمعيّة عندما توظّف بشكل مدروس تساعد على جذب الانتباه دون إحداث إرهاق معرفي، وتساعد هذه الآليّة الأطفال ذوي صعوبات التعلّم على تعلّم كيفية تصفية المثيرات، والتركيز على العناصر المهمّة وهي مهارة أساسيّة للنجاح داخل الفصل الدراسي.

ج- تحسين التركيز المستمر والوظائف التنفيذية

تتطلّب العديد من الألعاب الرقميّة متابعة متواصلة وتسلسلا في الأداء ممّا يدرب الطفل على الحفاظ على تركيزه لفترات أطول. ويسهم هذا التدريب المتكرّر في تحسين الوظائف التنفيذيّة مثل التخطيط وضبط السلوك والمثابرة وهي وظائف ترتبط ارتباطا وثيقا بالتحصيل الدراسي، كما توفّر الألعاب بيئة آمنة للتعلّم من الخطأ؛ حيث يمكن للطفل المحاولة مرارا دون الخوف من الفشل أو العقاب ممّا يخفّف من القلق التعليمي ويعزّز الثقة بالنفس.

د- نقل أثر التعلم إلى السياق المدرسي

من أهمّ آليّات تأثير الألعاب الرقميّة التعليميّة قدرتها على نقل أثر التدريب من السياق الرقمي إلى السياق المدرسي الواقعي. فالتدرّب على الانتباه والتركيز داخل اللعبة يمكن أن ينعكس تدريجيّا على سلوك الطفل داخل الفصل من حيث القدرة على متابعة الشرح وإنجاز المهمّات والمشاركة الفعّالة في الأنشطة الصفّيّة.

رابعا: دراسات تجريبية وتجارب ميدانية


أظهرت الدراسات التجريبية والميدانية الحديثة أنّ الألعاب الرقمية التعليمية لها أثر إيجابي ملموس على تحسين الانتباه والتركيز لدى الأطفال ذوي صعوبات التعلم. وقد ركزت هذه الدراسات على تقييم الأداء الأكاديمي ومهارات الانتباه والقدرة على الاستمرار في إنجاز المهمات، بالإضافة إلى رصد التغيرات السلوكية والمعرفية على المدى القصير والطويل.

أ- دراسات تجريبية محكمة

أجرى جرين ورفاقه (2019) تجربة على عينة من الأطفال الذين يعانون من اضطرابات الانتباه باستخدام برنامج ألعاب رقميّة تم تصميمه خصيصا لتنمية الانتباه البصري والسمعي. وأظهرت نتائج التجربة أنّ مدة الانتباه لدى الأطفال زادت بنسبة تتراوح بين 20% و35% بعد أربعة أسابيع من التدريب المنتظم، كما تحسّنت سرعة معالجة المعلومات لديهم.

كما أظهرت دراسة ليو وتشاو (2020) أنّ الأطفال ذوي صعوبات التعلم الذين استخدموا ألعاب حل المشكلات الرقمية أظهروا زيادة في التركيز المستمر وتحسّن ملحوظ في نتائج اختبارات القراءة والرياضيات مقارنة بمجموعة الضبط التي استخدمت طرائق تعليمية تقليدية فقط.

ب- تجارب ميدانية في الصفوف الدامجة

أجريت تجارب ميدانية في مدارس تعتمد نظام التعليم الدامج؛ حيث تم دمج ألعاب رقمية تعليمية ضمن المنهج الدراسي للأطفال ذوي صعوبات التعلم، وأظهرت الملاحظات أنّ هذه الألعاب ساعدت على زيادة مشاركة الأطفال وتقليل السلوكيات الانسحابية وتحفيز التفاعل مع الأقران والمعلّم. وأكد ألكسندر وزملاؤه (2021)  أن الأطفال الذين شاركوا في أنشطة الألعاب الرقمية أبدوا قدرة أكبر على الاستمرار في أداء المهمات وانخفاض مستوى التشتت مقارنة بفترات ما قبل التدخل.

ج- تحليل النتائج السابقة

تشير الدراسات إلى أن فعالية الألعاب الرقمية تعتمد على عدة عوامل:

- جودة تصميم اللعبة ومدى توافقها مع مستوى الأطفال المعرفي.

- التدرج في مستوى الصعوبة لضمان تحقيق تحدي متوازن دون إحباط الطفل.

- الدعم التربوي من المعلم والأسرة لضمان استمرار التعلّم خارج البيئة الصفية.

 كما لوحظ أنّ الألعاب القصصية والتفاعلية تحقق نتائج أعلى في جذب الانتباه والحفاظ على التركيز بينما الألعاب التدريبية الأكثر هيكلية تؤثر بشكل مباشر على الوظائف التنفيذية والمعرفية.

خامسا: استراتيجيات دمج الألعاب الرقمية التعليمية في الصفوف الدامجة


يتطلب دمج الألعاب الرقمية التعليمية في البيئات الصفية الدامجة استراتيجيات تربوية دقيقة لضمان تحقيق الفعالية التربوية المرجوة.

أ- اختيار الألعاب المناسبة

يجب اختيار الألعاب وفق أهداف محددة وواضحة تتوافق مع مستوى التحصيل والقدرات المعرفية للأطفال مع مراعاة نوع صعوبات التعلم. كما ينبغي التأكد من أن اللعبة توفر تغذية راجعة فورية وتدرج في مستوى الصعوبة بما يحافظ على تحفيز الطفل دون شعوره بالإحباط.

ب- دور المعلم

يعد المعلم محوريا في عملية الدمج، إذ يقوم بتوجيه استخدام اللعبة وربط محتواها بالمفاهيم التعليمية المطلوبة وتقديم الدعم والتوجيه عند الحاجة. كما ينبغي متابعة تقدم كل طفل وتعديل الأنشطة بما يتناسب مع قدراته لضمان استفادة متوازنة لجميع المتعلمين داخل الصف.

ج- التكامل مع المناهج الدراسية

تؤدي الألعاب الرقمية دورا مساعدا ومكملا للمناهج التقليدية وليست بديلا عنها. يمكن إدماجها ضمن أنشطة صفية منظمة مثل حل مسائل الرياضيات باستخدام ألعاب تفاعلية أو متابعة قصص تعليمية لتطوير مهارات اللغة مع رصد التقدم والتحسين المستمر للبرامج.

د- إشراك الأسرة

يلعب إشراك الأسرة دورا كبيرا في تعزيز أثر الألعاب الرقمية. إذ يمكن للوالدين متابعة أداء الطفل وتشجيعه على استخدام الألعاب التعليمية في المنزل ومساعدته على ممارسة التمرينات التي تم تطويرها لتعزيز الانتباه والتركيز.

ه- التقييم والمتابعة

ينبغي أن يكون هناك تقييم دوري لتأثير الألعاب الرقمية على التحصيل الدراسي والانتباه والتركيز. يمكن استخدام اختبارات قبلية وبعدية ومقاييس ملاحظة سلوكية لتحديد مدى الفعالية وتعديل الاستراتيجيات عند الحاجة.

خاتمة

خلصت الدراسة إلى أنّ الألعاب الرقمية التعليمية تمثل أداة تربوية فعّالة في تحسين الانتباه والتركيز لدى الأطفال ذوي صعوبات التعلم نظرا لما توفره من بيئة تعليمية محفزة وتفاعلية تراعي الفروق الفردية وتدعم الدافعية الداخلية للتعلّم. كما أن دمج هذه الألعاب بشكل منهجي داخل الصفوف الدامجة يسهم في تحسين التحصيل الدراسي ويعزز مشاركة الأطفال ويقلل من مظاهر التشتت والانفصال عن النشاط الصفّي.

وتشير الأدلة العلمية إلى أن الاستثمار في تطوير ألعاب رقمية تعليمية مصممة بأسس علمية إلى جانب تدريب المعلمين على توظيفها بفعالية يمثل خطوة أساسية نحو تحقيق تعليم شامل ودامج أكثر كفاءة وإنصافا. كما أن استمرار البحث التجريبي والميداني في هذا المجال ضروري لتطوير نماذج تعليمية مبتكرة تستجيب للاحتياجات المتنوعة للأطفال ذوي صعوبات التعلم.

قائمة المراجع

Alexander, R., Brown, S., & Clark, H. (2021). Digital games for inclusive classrooms: Enhancing attention and engagement in children with learning difficulties. Journal of Special Education Technology, 36(2), 85–102. https://doi.org/10.1177/01626434211012345

Green, C., Smith, J., & Patel, R. (2019). Cognitive training through digital games: Improving attention in children with ADHD. Computers & Education, 142, 103638. https://doi.org/10.1016/j.compedu.2019.103638

Leo, P.,  Chao, T. (2020). Problem-solving games and executive function enhancement in children with learning difficulties. Learning and Instruction, 68, 101-118. https://doi.org/10.1016/j.learninstruc.2020.101118

Prensky, M. (2007). Digital game-based learning. New York, NY: McGraw-Hill.

Papastergiou, M. (2009). Digital game-based learning in high school computer science education: Impact on educational effectiveness and student motivation. Computers & Education, 52(1), 1–12. https://doi.org/10.1016/j.compedu.2008.06.004

  

تعليقات