التفاعل الاجتماعي بين المتعلمين ذوي الاحتياجات الخاصة وأقرانهم: دراسة حالة

التربية الدامجة والتقنيات الذكية
0

التفاعل الاجتماعي بين المتعلمين ذوي الاحتياجات الخاصة وأقرانهم: دراسة حالة

مقدمة

يعد التفاعل الاجتماعي أحد المرتكزات الأساسية في العملية التربوية داخل المدارس الدامجة نظرا لما يضطلع به من دور جوهري في تنمية شخصية المتعلم وبناء هويته الاجتماعية ولا سيما لدى المتعلمين ذوي الاحتياجات الخاصة. فالمدرسة الدامجة لا تنحصر وظيفتها في نقل المعارف الاكاديمية فحسب، بل تمتد لتشمل بناء فضاء اجتماعي منفتح يتيح إمكانات التواصل والتعاون وقبول الاختلاف بوصفه قيمة انسانية وتربوية. ويشكل هذا البعد الاجتماعي عنصرا حاسما في تيسير اندماج المتعلمين ذوي الاحتياجات الخاصة داخل الوسط المدرسي بما يعزز شعورهم بالانتماء ويحد من مظاهر الاقصاء والعزلة. وفي هذا الاطار. يكتسي التفاعل الاجتماعي بين المتعلمين ذوي الاحتياجات الخاصة واقرانهم اهمية بالغة باعتباره مؤشرا دالا على مدى نجاعة سياسات الدمج التربوي وقدرتها على تحقيق مبادئ العدالة التعليمية والانصاف، فكلما اتسمت العلاقات الاجتماعية داخل الفصل الدراسي بالتقبل والدعم المتبادل كلما انعكس ذلك ايجابا على المناخ التعليمي وعلى فرص التعلم الفعال لكافة المتعلمين بغض النظر عن اختلافاتهم الفردية، كما يسهم هذا التفاعل في اعادة تشكيل تمثلات المتعلمين العاديين تجاه الإعاقة من خلال الانتقال من منطق الشفقة او الوصم الى منطق التعاون والمشاركة المتكافئة.

تهدف هذه الدراسة إلى تعميق تحليل التفاعل الاجتماعي داخل المدارس الدامجة من خلال تسليط الضوء على أهميته التربوية والنفسية والاجتماعية والكشف عن أهم العوامل المؤثرة في تشكله واستمراريته، كما تسعى إلى تقديم دراسة حالة تبرز التمظهرات الواقعية للتفاعل الاجتماعي داخل الفصول الدامجة بما يسمح بفهم الفجوة القائمة بين التصورات النظرية والممارسات الميدانية. وتختتم الدراسة بمناقشة أبرز التحديات التي تعيق تحقيق تفاعل اجتماعي ايجابي واقتراح حلول عملية وتوصيات قابلة للتطبيق تروم تعزيز ثقافة الدمج وترسيخ مدرسة دامجة قائمة على الإنصاف واحترام التنوع.

أولا: أهمية التفاعل الاجتماعي في المدارس الدامجة

تتجلى أهمية التفاعل الاجتماعي داخل المدارس الدامجة في كونه يشكل بعدا محوريا في دعم إندماج المتعلمين ذوي الإحتياجات الخاصة داخل الوسط المدرسي. فالتفاعل الاجتماعي الإيجابي يسهم بشكل مباشر في تعزيز شعور الإنتماء لديهم ويحد من مظاهر العزلة والإقصاء الاجتماعي التي قد تنتج عن الإختلافات الجسدية أو الحسية أو المعرفية، كما يتيح هذا التفاعل فرصا حقيقية لتنمية المهارات الاجتماعية والتواصلية من قبيل التعبير عن الذات، وبناء العلاقات وإحترام الآخر والعمل ضمن جماعة وهي مهارات أساسية لنجاح المتعلم داخل المدرسة وخارجها.

ومن منظور سيكولوجي تربوي يشكل التفاعل اليومي مع الأقران عاملا داعما للصحة النفسية للمتعلمين ذوي الإحتياجات الخاصة، إذ يسهم في التخفيف من حدة القلق المدرسي ويعزز الثقة بالنفس وتقدير الذات. فكلما شعر المتعلم بقبوله داخل الجماعة الصفية كلما ارتفعت دافعيته للتعلم وتحسنت مشاركته في الأنشطة التعليمية مما ينعكس إيجابا على مساره الدراسي ونموه النفسي والإجتماعي.

أما بالنسبة للمتعلمين العاديين فإن التفاعل المستمر مع أقرانهم من ذوي الإحتياجات الخاصة يسهم في ترسيخ قيم التسامح والتضامن وإحترام الإختلاف، كما يساعد على تفكيك التمثلات النمطية السلبية المرتبطة بالإعاقة ويعيد بناء تصور قائم على المساواة والإنصاف. وبهذا المعنى لا يقتصر أثر التفاعل الاجتماعي على فئة بعينها بل يمتد ليشمل مجموع المتعلمين مما يسهم في خلق مناخ مدرسي يقوم على الإحترام المتبادل والتعاون. وبناء على ذلك، يصبح التفاعل الاجتماعي رافعة أساسية لتحقيق أهداف التربية الدامجة، بإعتبارها مشروعا مجتمعيا يهدف إلى تكريس العدالة التعليمية وترسيخ ثقافة الإختلاف، وليس مجرد إجراء بيداغوجي يقتصر على إدماج شكلي داخل الفصول الدراسية.

ثانيا: العوامل المؤثرة على التفاعل الايجابي

تتداخل مجموعة من العوامل المتكاملة في تشكيل طبيعة التفاعل الاجتماعي داخل الفصول الدامجة؛ حيث تتوزع بين عوامل فردية وأسرية ومدرسية وثقافية. ففيما يخص العوامل الفردية يرتبط مستوى التفاعل الاجتماعي بنوع الإعاقة ودرجة حدتها وبمدى توفر الكفايات التواصلية لدى المتعلم، إضافة إلى خبراته السابقة في بناء العلاقات الاجتماعية، فكلما كان المتعلم قادرا على التعبير عن ذاته وفهم الآخر كلما ازدادت فرص الإنخراط الفعال في التفاعلات الصفية والعكس صحيح في حالة وجود صعوبات تواصلية غير مواكبة بالدعم المناسب، إلى جانب ذلك تلعب العوامل الأسرية دورا محوريا في دعم أو إعاقة التفاعل الاجتماعي من خلال أساليب التنشئة المعتمدة داخل الأسرة، ومستوى الدعم النفسي والاجتماعي الذي يتلقاه الطفل. فالأسر التي تشجع أبناءها على الإنفتاح والتواصل وتقبل الاختلاف تسهم بشكل غير مباشر في تعزيز اندماجهم الاجتماعي داخل المدرسة، في حين قد يؤدي غياب هذا الدعم إلى ضعف الثقة بالنفس ومحدودية التفاعل مع الأقران.

أما على المستوى المدرسي فتبرز أهمية كفايات المدرسين في مجال التربية الدامجة، وقدرتهم على توظيف إستراتيجيات بيداغوجية دامجة تراعي الفروق الفردية وتدعم التفاعل الإيجابي داخل الفصل. كما تشكل مرونة المناهج وطبيعة الأنشطة المعتمدة والمناخ الصفي القائم على التشجيع والإحترام والتقبل عناصر أساسية في تهيئة بيئة تعليمية محفزة على التفاعل، إضافة إلى ذلك يؤثر حجم القسم وتنظيم الأنشطة الجماعية بشكل مباشر على فرص التواصل والتعاون بين المتعلمين. ولا يمكن في هذا السياق إغفال العوامل الثقافية والاجتماعية التي تسهم في تشكيل تمثلات المجتمع تجاه الإعاقة، إذ قد تعمل هذه التمثلات إما على عرقلة التفاعل الاجتماعي من خلال تكريس الصور النمطية والإقصاء، أو على تعزيزه عبر نشر قيم المساواة والإنصاف. وعليه فإن التفاعل الاجتماعي داخل المدارس الدامجة يعد نتاجا لتفاعل معقد بين مختلف هذه العوامل مما يستدعي مقاربة شمولية تعالج البعد الفردي والمؤسساتي والمجتمعي في آن واحد.

ثالثا: دراسة حالة وتحليل النتائج

تم إعتماد دراسة حالة داخل مؤسسة تعليمية دامجة تضم متعلمين ذوي إحتياجات خاصة مدمجين في أقسام عادية وذلك قصد الوقوف على طبيعة التفاعل الاجتماعي داخل السياق المدرسي الواقعي، وقد ارتكزت الدراسة على توظيف منهجية نوعية إعتمدت الملاحظة المباشرة لسلوكيات التفاعل وإجراء مقابلات شبه موجهة مع المدرسين وبعض المتعلمين، إضافة إلى تحليل ممارسات التفاعل داخل الأنشطة الصفية واللاصفية بما يسمح بفهم ديناميات التواصل داخل الفضاء المدرسي؛ حيث أظهرت النتائج أن التفاعل الاجتماعي بين المتعلمين كان متفاوتا، إذ تم تسجيل حالات إيجابية من التعاون والمساندة المتبادلة داخل الأنشطة الجماعية خاصة في الحالات التي كان فيها العمل موجها بشكل منظم من طرف المدرس. ويبرز هذا المعطى الدور الحاسم للتأطير البيداغوجي في تيسير التفاعل الاجتماعي وضبط إيقاعه داخل الفصل الدراسي. وفي المقابل لوحظت بعض مظاهر العزلة لدى متعلمين يعانون من صعوبات تواصلية ولا سيما خلال فترات الاستراحة مما يدل على أن التفاعل العفوي بين الأقران لا يتحقق دائما بشكل تلقائي بل يحتاج إلى تدخل تربوي مقصود ومخطط، كما بينت نتائج الدراسة أن توظيف إستراتيجيات التعلم التعاوني إلى جانب إدماج الأنشطة الفنية والرياضية ساهم بشكل ملحوظ في تحسين جودة التفاعل الاجتماعي وتعزيز علاقات التعاون بين المتعلمين. غير أن هذه الجهود ظلت محدودة أحيانا بفعل غياب التكوين المتخصص لدى بعض المدرسين في مجال التربية الدامجة وهو ما شكل عائقا أمام إستثمار الإمكانات الكاملة التي تتيحها المدرسة الدامجة لتحقيق تفاعل اجتماعي فعال ومستدام.

رابعا: التحديات والحلول العملية

تواجه عملية تعزيز التفاعل الاجتماعي داخل المدارس الدامجة جملة من التحديات البنيوية والبيداغوجية التي تعيق تحقيق إندماج فعلي للمتعلمين ذوي الإعاقة داخل الوسط المدرسي. ويأتي في مقدمة هذه التحديات ضعف الوعي المجتمعي بقضايا الإعاقة وما يرتبط به من تمثلات نمطية سلبية تسهم في إعادة إنتاج ممارسات الإقصاء والعزلة داخل الفضاء المدرسي، كما يشكل نقص التكوين المستمر للمدرسين في مجال التربية الدامجة عائقا أساسيا أمام تفعيل ممارسات تربوية داعمة للتفاعل الاجتماعي، إضافة إلى غياب أو محدودية الوسائل الديداكتيكية الملائمة التي تراعي تنوع الحاجات التعليمية. ويزداد هذا الوضع تعقيدا في ظل الإكتظاظ داخل الأقسام مما يقلص فرص التفاعل الفردي والجماعي ويحد من إمكانية المتابعة التربوية الدقيقة. وفي مواجهة هذه التحديات تبرز الحاجة إلى تبني حلول عملية قائمة على مقاربة شمولية تشرك مختلف الفاعلين التربويين، ومن بين هذه الحلول تنظيم دورات تكوينية مستمرة لفائدة الأطر التربوية تركز على إستراتيجيات تنمية التفاعل الاجتماعي داخل الفصول الدامجة وتعزيز كفاياتهم في التعامل مع التنوع داخل القسم، كما يعد تفعيل الشراكة بين المدرسة والأسرة آلية أساسية لدعم المتعلمين نفسيا واجتماعيا وضمان استمرارية الجهود التربوية داخل وخارج المؤسسة التعليمية، إلى جانب ذلك يوصى بإدماج أنشطة موازية ذات طابع فني ورياضي وثقافي من شأنها تعزيز التواصل والتعاون بين المتعلمين في سياقات غير رسمية بما يسهم في بناء علاقات اجتماعية أكثر مرونة وتلقائية، كما يمكن توظيف التقنيات الرقمية كوسيط داعم للتفاعل الاجتماعي خاصة لفائدة المتعلمين ذوي الصعوبات التواصلية لما توفره من إمكانات لتسهيل التعبير والتواصل وتجاوز بعض العوائق المرتبطة بالإعاقة.

خامسا: توصيات لتعزيز التفاعل الاجتماعي

بناء على المعطيات النظرية والنتائج الميدانية التي تم التوصل إليها يمكن صياغة مجموعة من التوصيات العملية الرامية إلى تعزيز التفاعل الاجتماعي داخل المدارس الدامجة. وتأتي في مقدمة هذه التوصيات ضرورة إدماج تنمية المهارات الاجتماعية ضمن الأهداف البيداغوجية الأساسية للمؤسسات التعليمية الدامجة، باعتبارها بعدا مكملا للتحصيل الأكاديمي وعنصرا حاسما في تحقيق الإندماج الاجتماعي للمتعلمين ذوي الإعاقة، كما يوصى بإعتماد التعلم التعاوني كخيار منهجي دائم داخل الفصول الدراسية لما يوفره من فرص للتفاعل الإيجابي وتبادل الخبرات وبناء علاقات قائمة على التعاون والمسؤولية المشتركة. وبالتالي تبرز أهمية العمل على تقليص عدد المتعلمين داخل الأقسام الدامجة بما يسمح بتوفير شروط بيداغوجية ملائمة تراعي الفروق الفردية وتيسر المتابعة التربوية والنفسية للمتعلمين. وفي السياق ذاته يستدعي الأمر توفير موارد بشرية متخصصة من قبيل الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين قصد دعم المدرسين والمتعلمين على حد سواء والمساهمة في معالجة الصعوبات النفسية والاجتماعية التي قد تعيق التفاعل داخل الوسط المدرسي. إلى جانب ذلك ينبغي تعزيز ثقافة الإختلاف وقيم الإحترام والتقبل داخل الفضاء المدرسي عبر تنظيم حملات تحسيسية وأنشطة تربوية هادفة تسهم في تغيير التمثلات النمطية المرتبطة بالإعاقة، كما يعد تشجيع البحث العلمي في مجال التفاعل الاجتماعي والإعاقة مدخلا أساسيا لبناء ممارسات تربوية قائمة على معطيات علمية دقيقة وقادرة على تطوير نماذج إدماج فعالة تستجيب للتحولات التربوية والمجتمعية المعاصرة.

خاتمة

يخلص هذا البحث إلى أن التفاعل الاجتماعي يشكل ركيزة أساسية لنجاح التربية الدامجة، نظرا لما يترتب عنه من أثر مباشر في دعم النمو النفسي والإجتماعي للمتعلمين ذوي الاحتياجات الخاصة وأقرانهم على حد سواء. فالتفاعل الاجتماعي لا يعد مجرد بعد مكمل للعملية التعليمية، بل يمثل مكونا جوهريا في بناء شخصية المتعلم وتعزيز شعوره بالإنتماء داخل الوسط المدرسي، بما يسهم في تحقيق إندماج فعلي ومستدام. غير أن تحقيق تفاعل اجتماعي فعال داخل المدارس الدامجة يظل رهينا بتضافر جهود مختلف الفاعلين التربويين من مدرسين وأطر إدارية وأسر ومؤسسات داعمة إلى جانب تبني رؤية شمولية تعتبر المتعلم محور العملية التعليمية، وتأخذ بعين الإعتبار أبعاده النفسية والإجتماعية والثقافية، كما يتطلب الأمر الإنتقال من منطق الإدماج الشكلي إلى منطق الإدماج الوظيفي القائم على المشاركة الفعلية والتفاعل المتكافئ.

وبناء على ذلك فإن الإستثمار في تنمية التفاعل الاجتماعي داخل المدرسة الدامجة يشكل مدخلا أساسيا لترسيخ العدالة التعليمية والإنصاف وبناء مدرسة منفتحة على التنوع وقائمة على احترام الإختلاف بما يجعل من التربية الدامجة مشروعا مجتمعيا يسهم في إعداد متعلمين قادرين على الانخراط الإيجابي في المجتمع.

لائحة المراجع

Ainscow, M. (2020). Promoting inclusion and equity in education. Routledge.

Avramidis, E., Norwich, B. (2019). Teachers attitudes towards inclusion. European Journal of Special Needs Education.

Bandura, A. (2018). Social learning theory. Pearson.

UNESCO. (2020). Global education monitoring report: Inclusion and education. UNESCO Publishing.

  

إرسال تعليق

0 تعليقات

إرسال تعليق (0)
3/related/default