تأثير الإعلام الرقمي على العلاقات الاجتماعية للمتعلمين في المدارس الدامجة

التربية الدامجة والتقنيات الذكية
0

تأثير الإعلام الرقمي على العلاقات الاجتماعية للمتعلمين في المدارس الدامجة

مقدمة

أصبح الإعلام الرقمي في العقود الأخيرة من أبرز التحولات البنيوية التي مست مختلف مجالات الحياة الاجتماعية والثقافية والتربوية؛ حيث لم يعد مجرد وسيلة تقنية لنقل المعلومات أو الترفيه بل تحول إلى بنية تواصلية شاملة تعيد صياغة أنماط التفاعل الاجتماعي وطرق بناء العلاقات داخل المجتمع. وفي السياق التربوي على وجه الخصوص أضحى الإعلام الرقمي فاعلا مركزيا في تشكيل الخبرات التعليمية والاجتماعية للمتعلمين سواء داخل الفضاء المدرسي أو خارجه، كما ان المدرسة لم تعد فضاء مغلقا تحكمه العلاقات المباشرة فقط بل أصبحت جزءا من شبكة تواصل رقمية واسعة تتداخل فيها العلاقات الواقعية والافتراضية.

وفي إطار المدارس الدامجة تكتسب مسألة الإعلام الرقمي أهمية مضاعفة نظرا لخصوصية الفئة المستهدفة وما تواجهه من تحديات على مستوى التفاعل الاجتماعي والاندماج المدرسي، إذ يعاني عدد من المتعلمين ذوي الاحتياجات الخاصة من صعوبات في التواصل الاجتماعي نتيجة إعاقات حركية أو حسية أو معرفية أو تواصلية وهو ما قد ينعكس سلبا على علاقاتهم مع أقرانهم داخل المدرسة. ومن هنا يبرز الإعلام الرقمي كأداة محتملة لتجاوز بعض هذه العوائق من خلال توفير قنوات بديلة للتواصل والتعبير عن الذات وبناء العلاقات.

وانطلاقا من هذا التصور يسعى هذا المقال إلى تحليل تأثير الإعلام الرقمي على العلاقات الاجتماعية للمتعلمين في المدارس الدامجة من خلال مقاربة تحليلية شمولية تتناول مفهوم الإعلام الرقمي وأنواعه وتبحث في أثره على العلاقات الاجتماعية وتستعرض نتائج الدراسات الحديثة حول انعكاساته الإيجابية والسلبية وتقترح استراتيجيات تربوية لدمجه بشكل مفيد وتنتهي بتقديم توصيات عملية لتعزيز التفاعل الاجتماعي الدامج عبر الإعلام الرقمي.

أولا: مفهوم الإعلام الرقمي وأنواعه

يشير مفهوم الإعلام الرقمي إلى مجموع الوسائط والمنصات التي تعتمد على التقنيات الرقمية في إنتاج المحتوى الإعلامي وتخزينه ونشره وتداوله عبر شبكة الانترنت أو عبر الأنظمة الرقمية المختلفة. ويشمل هذا المفهوم شبكات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وانستغرام ومنصات مشاركة الفيديو مثل يوتيوب وتيك توك إضافة إلى المنصات التعليمية الرقمية والتطبيقات الذكية والمواقع التفاعلية والمنتديات الرقمية؛ حيث يتميز الإعلام الرقمي عن الإعلام التقليدي بكونه إعلاما تفاعليا يقوم على المشاركة المتبادلة بين المرسل والمتلقي ويتيح للمتعلم دورا فاعلا في إنتاج المحتوى وليس فقط استهلاكه، كما يتميز الإعلام الرقمي بخاصية الآنية وسرعة الانتشار والقدرة على تجاوز الحدود المكانية والزمانية وهو ما يجعله وسيلة قوية في بناء شبكات اجتماعية واسعة. وفي السياق المدرسي يتحول الإعلام الرقمي إلى امتداد للفضاء التعليمي والاجتماعي حيث يتيح للمتعلمين فرصا إضافية للتواصل والتعلم والتفاعل خارج حدود الفصل الدراسي. وبذلك لم يعد التعلم محصورا في الحضور الفيزيائي داخل المدرسة بل أصبح ممتدا إلى الفضاء الرقمي.

وفي المدارس الدامجة يكتسي الإعلام الرقمي بعدا اجتماعيا خاصا اذ يمكن ان يشكل أداة لتعويض بعض القصور في التفاعل الوجاهي لدى المتعلمين ذوي الاحتياجات الخاصة. فعلى سبيل المثال تتيح التطبيقات الرقمية للمتعلمين ذوي صعوبات النطق أو التوحد وسائل بديلة للتواصل تعتمد على الصور والرموز والوسائط المتعددة، كما تتيح المنصات الرقمية للمتعلمين ذوي الإعاقات الحركية فرصا للتفاعل دون عوائق مادية. ومن ثم فان الإعلام الرقمي لا يعد مجرد أداة تقنية بل فضاء اجتماعيا افتراضيا يسهم في بناء العلاقات والتمثلات الاجتماعية داخل المدرسة الدامجة.

ثانيا: أثر وسائل الإعلام الرقمي على العلاقات الاجتماعية

يسهم الإعلام الرقمي في إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية داخل المدرسة من خلال إحداث تحول في طبيعة التواصل بين المتعلمين، إذ لم يعد التفاعل الاجتماعي مقتصرا على اللقاءات المباشرة داخل الفصل أو الساحة المدرسية بل امتد إلى الفضاءات الرقمية التي تسمح بالتواصل المستمر والمتعدد الأشكال. وهذا التحول له انعكاسات عميقة على ديناميات العلاقات الاجتماعية خاصة في البيئات الدامجة.

من جهة اولى يتيح الإعلام الرقمي فرصا جديدة للتفاعل الاجتماعي الإيجابي؛ حيث يمكن للمتعلمين ذوي الاحتياجات الخاصة ان يشاركوا في أنشطة رقمية جماعية دون الشعور بالوصم أو الإقصاء، كما إن التفاعل الرقمي قد يقلل من القلق الاجتماعي الذي يعاني منه بعض المتعلمين ويمنحهم مساحة آمنة للتعبير عن أفكارهم ومشاعرهم، ومن ثم يسهم الإعلام الرقمي في تعزيز الشعور بالانتماء وبناء علاقات قائمة على الاهتمام المشترك بدل الاختلافات الجسدية أو المعرفية.

ومن جهة ثانية لا يخلو تأثير الإعلام الرقمي من مخاطر اجتماعية إذ قد يؤدي الاستخدام غير المنظم أو المفرط إلى إضعاف العلاقات الاجتماعية الواقعية وتقليص فرص التفاعل الوجاهي، كما أن الاعتماد الزائد على التواصل الرقمي قد يحد من تنمية المهارات الاجتماعية الأساسية مثل التواصل البصري وفهم الإشارات غير اللفظية، إضافة إلى ذلك قد يتعرض بعض المتعلمين لمخاطر التنمر الرقمي أو العزلة الافتراضية وهو ما يستدعي يقظة تربوية دائمة. وعليه فإن أثر الإعلام الرقمي على العلاقات الاجتماعية داخل المدارس الدامجة يظل تأثيرا مزدوجا يتحدد وفق طبيعة الاستخدام والسياق التربوي ومدى توفر التأطير البيداغوجي والدعم النفسي والاجتماعي.

ثالثا: الدراسات الحديثة حول التأثيرات الإيجابية والسلبية

أبرزت الدراسات الحديثة اهتماما متزايدا بتحليل العلاقة بين الإعلام الرقمي والتفاعل الاجتماعي داخل البيئات التعليمية الدامجة. حيث تشير العديد من الأبحاث إلى ان الاستخدام الموجه للتقنيات الرقمية يمكن أن يساهم في تعزيز الاندماج الاجتماعي للمتعلمين ذوي الاحتياجات الخاصة، فقد بينت دراسة Jenkins  وزملائه ان المنصات الرقمية التشاركية تشجع على ثقافة المشاركة والتعاون وتسهم في تنمية مهارات التواصل الاجتماعي والعمل الجماعي. كما أكدت دراسة Boyd أن شبكات التواصل الاجتماعي تمثل فضاءات بديلة للتفاعل الاجتماعي بالنسبة للمتعلمين الذين يواجهون صعوبات في التواصل المباشر؛ حيث تتيح لهم التحكم في وتيرة التواصل وطبيعته وهو ما يعزز ثقتهم بأنفسهم. وفي السياق ذاته أظهرت دراسات أخرى أن استخدام الوسائط الرقمية التفاعلية داخل الفصل يسهم في تحسين العلاقات بين المتعلمين وتقليص الفجوات الاجتماعية.

في المقابل نبهت دراسات مثل دراسة Twenge إلى الآثار السلبية المحتملة للإفراط في استخدام الإعلام الرقمي خاصة لدى الأطفال والمراهقين؛ حيث يرتبط الاستخدام المكثف للوسائط الرقمية بارتفاع معدلات العزلة الاجتماعية وضعف التفاعل الأسري وتراجع جودة العلاقات الواقعية، كما أشارت بعض الدراسات إلى ان الإعلام الرقمي قد يعزز الفردانية ويحد من الإحساس بالمسؤولية الجماعية إذا لم يتم توجيهه تربويا. وبالتالي تؤكد هذه النتائج ان الإعلام الرقمي ليس عنصرا محايدا بل أداة ذات تأثير اجتماعي عميق تتطلب فهما نقديا وتدخلا تربويا واعيا خاصة في المدارس الدامجة.

رابعا: استراتيجيات دمج الإعلام الرقمي بطريقة مفيدة

يقتضي دمج الإعلام الرقمي في المدارس الدامجة اعتماد مقاربة تربوية شمولية تقوم على التخطيط المسبق والتأطير البيداغوجي والتقويم المستمر وذلك انسجاما مع أهداف التربية الدامجة التي تسعى إلى تحقيق الإنصاف وتكافؤ الفرص بين جميع المتعلمين. فالتكنولوجيا الرقمية لا تحقق أثرا إيجابيا تلقائيا بل تتطلب رؤية تربوية واضحة تحدد الأهداف الاجتماعية والتعلمية المرجوة من استخدامها داخل الفضاء المدرسي.

ومن بين الاستراتيجيات الأساسية في هذا المجال توظيف المنصات الرقمية التعاونية داخل الأنشطة الصفية حيث تسمح هذه المنصات بخلق وضعيات تعلم قائمة على التفاعل المشترك والعمل الجماعي. ويكتسي هذا النوع من التعلم أهمية خاصة في المدارس الدامجة لأنه يتيح للمتعلمين ذوي الاحتياجات الخاصة المشاركة في أنشطة جماعية دون الشعور بالإقصاء أو التهميش. كما ان العمل التعاوني الرقمي يسهم في تنمية مهارات التواصل الاجتماعي مثل تبادل الآراء واحترام الاختلاف وتقاسم المسؤوليات وهو ما يعزز العلاقات الإيجابية بين المتعلمين، كما يشكل التعلم القائم على المشاريع الرقمية مدخلا فعالا لتعزيز التفاعل الاجتماعي داخل المدرسة الدامجة حيث يقوم المتعلمون بإنجاز مهام مشتركة تتطلب التخطيط والتعاون وحل المشكلات بشكل جماعي. ويسمح هذا النمط من التعلم بإبراز قدرات المتعلمين المختلفة ويقلل من التركيز على الفوارق الفردية المرتبطة بالإعاقة. وبذلك يتحول الإعلام الرقمي من مجرد أداة تقنية إلى وسيلة لبناء ثقافة مدرسية قائمة على التعاون والتضامن.

وفي السياق ذاته تبرز أهمية إدماج التربية على الإعلام الرقمي ضمن المناهج الدراسية باعتبارها ركيزة أساسية لضمان الاستخدام الواعي والمسؤول للتقنيات الرقمية. فتنمية الوعي النقدي لدى المتعلمين تساعدهم على فهم آليات عمل الإعلام الرقمي وتحليل محتوياته والتمييز بين الاستخدام الإيجابي والسلبي. كما ان التربية على الإعلام الرقمي تسهم في تعزيز القيم الاجتماعية والأخلاقية داخل الفضاء الرقمي مثل احترام الخصوصية ونبذ التنمر الرقمي وتعزيز ثقافة الحوار والتسامح. إضافة إلى ذلك يلعب المدرس دورا محوريا في إنجاح عملية دمج الإعلام الرقمي داخل المدارس الدامجة حيث لا يقتصر دوره على تقديم المعرفة بل يتعداه إلى توجيه التفاعل الرقمي وتنظيمه. فالمدرس مطالب بتصميم أنشطة تعليمية دامجة تراعي الفروق الفردية بين المتعلمين وتستثمر الإمكانات التكنولوجية لدعم التواصل الاجتماعي. كما ان دوره يشمل مراقبة ديناميات التفاعل الرقمي والتدخل عند الحاجة لضمان  احترام القيم التربوية والإنسانية. ولا يقل التنسيق بين المدرسة والأسرة أهمية في هذا السياق اذ يشكل عاملا حاسما لضمان انسجام التوجيه التربوي داخل المدرسة وخارجها، فمشاركة الأسرة في توجيه استخدام الإعلام الرقمي تساعد على تحقيق الاستمرارية التربوية وتحد من الاستخدام العشوائي للتقنيات الرقمية الذي قد يؤثر سلبا على العلاقات الاجتماعية للمتعلمين.

خامسا: توصيات لتحسين التفاعل الاجتماعي عبر الإعلام الرقمي

استنادا إلى التحليل السابق يمكن تقديم مجموعة من التوصيات العملية التي من شأنها تعزيز التفاعل الاجتماعي الدامج عبر الإعلام الرقمي داخل المؤسسات التعليمية، وتنبع أهمية هذه التوصيات من كونها تربط بين البعد التكنولوجي والبعد الاجتماعي في إطار رؤية شمولية للتربية الدامجة.

أولا: تبرز ضرورة إدماج الإعلام الرقمي ضمن المشروع التربوي للمؤسسات التعليمية بشكل منظم ومقنن بحيث يتم تحديد أهداف واضحة لاستخدامه في تعزيز التفاعل الاجتماعي وليس الاكتفاء بتوظيفه كأداة تقنية معزولة. كما ان هذا الإدماج يتطلب وضع سياسات داخلية تنظم استخدام الوسائط الرقمية وتضمن استفادة جميع المتعلمين منها دون تمييز.

ثانيا: يعد تعزيز تكوين المدرسين في مجال التربية الرقمية والتواصل الدامج شرطا أساسيا لنجاح أي مشروع رقمي داخل المدرسة. فتمكين المدرسين من الكفايات الرقمية والبيداغوجية يساعدهم على توظيف الإعلام الرقمي بطريقة تخدم الأهداف التربوية والاجتماعية وتجنب الاستخدام السلبي أو غير الملائم للتكنولوجيا.

ثالثا: تبرز أهمية تطوير محتويات رقمية دامجة تراعي احتياجات المتعلمين ذوي الإعاقات المختلفة سواء من حيث اللغة أو التصميم أو طرق التفاعل. فالمحتوى الرقمي الدامج يسهم في تسهيل المشاركة ويعزز الشعور بالانتماء داخل الجماعة المدرسية.

رابعا: ينبغي تشجيع الأنشطة الرقمية التشاركية التي تجمع بين جميع المتعلمين وتقوم على مبدأ التعاون بدل المنافسة الفردية. فمثل هذه الأنشطة تساعد على بناء علاقات اجتماعية إيجابية وتقلل من الصور النمطية المرتبطة بالإعاقة.

خامسا: يشكل إشراك الأسرة في توجيه استخدام الإعلام الرقمي رافعة أساسية لتعزيز التفاعل الاجتماعي الإيجابي حيث يسمح ذلك بتوحيد الرؤية التربوية بين المدرسة والبيت ويحد من الاستخدام المفرط أو غير الموجه للتقنيات الرقمية.

خاتمة

خلص هذا البحث إلى أن الإعلام الرقمي يشكل عاملا مركزيا في إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية داخل المدارس الدامجة حيث يملك إمكانات كبيرة لدعم التفاعل الاجتماعي والاندماج المدرسي وبناء علاقات قائمة على التعاون والاحترام المتبادل. غير ان هذه الإمكانات تظل رهينة بمدى توفر التأطير التربوي والوعي النقدي لدى الفاعلين التربويين والمتعلمين على حد سواء.

وفي المقابل فان غياب التخطيط والتأطير قد يحول الإعلام الرقمي إلى مصدر للعزلة الاجتماعية وتكريس الفوارق بين المتعلمين بدل تجاوزها. ومن ثم فان الرهان الحقيقي لا يكمن في رفض الإعلام الرقمي أو تبنيه بشكل مطلق بل في تحقيق توازن واع بين الاستفادة من إمكاناته التربوية والاجتماعية والحد من مخاطره المحتملة بما يخدم أهداف التربية الدامجة والعدالة الاجتماعية ويعزز بناء مدرسة منفتحة دامجة قائمة على قيم الإنصاف والمشاركة.

لائحة المراجع

Boyd D. (2014). Its complicated The social lives of networked teens. Yale University Press.

Jenkins H. Ito M. Boyd D. (2016). Participatory culture in a networked era. Polity Press.

Twenge J. (2017). iGen Why todays super connected kids are growing up less rebellious more tolerant less happy. Atria Books.

UNESCO.( 2021). Digital inclusion in education. Paris.

  

إرسال تعليق

0 تعليقات

إرسال تعليق (0)
3/related/default