المساواة في التعليم دراسة التحديات القانونية في السياق المغربي

التربية الدامجة والتقنيات الذكية
0

 المساواة في التعليم دراسة التحديات القانونية في السياق المغربي

ملخص

تعد المساواة في التعليم من المرتكزات الأساسية لتحقيق العدالة الاجتماعية وضمان تكافؤ الفرص، غير أن الممارسة العملية تكشف عن استمرار إشكالات قانونية ومؤسساتية تحد من فعاليتها. ويهدف هذا المقال إلى تحليل الإطار القانوني المنظم للمساواة في التعليم بالمغرب مع رصد التحديات القانونية والإدارية التي تعيق تنزيله وبيان أثر ذلك على الدمج المدرسي مع الاستفادة من بعض التجارب الدولية الناجحة واقتراح توصيات عملية لتعزيز العدالة التعليمية.

الكلمات المفتاحية
المساواة في التعليم، العدالة التعليمية، الإطار القانوني، الدمج المدرسي، حقوق المتعلمين

مقدمة

يشكل التعليم حقا أساسيا من حقوق الإنسان وركيزة جوهرية من ركائز بناء الدولة الحديثة القائمة على مبادئ المساواة والعدالة الاجتماعية، وقد أقر المجتمع الدولي منذ عقود بأن ضمان الحق في التعليم يشكل مدخلا أساسيا لتحقيق التنمية البشرية المستدامة وتقليص الفوارق الاجتماعية والاقتصادية وهو ما تجسد في العديد من المواثيق الدولية التي أكدت على إلزامية التعليم وإتاحته دون تمييز. وفي هذا السياق لم يكن المشرع المغربي بمعزل عن هذا التوجه، إذ حرص على تكريس الحق في التعليم ضمن المنظومة الدستورية والتشريعية وجعله من الحقوق الأساسية المكفولة لجميع المواطنين على قدم المساواة.

قد نص دستور المملكة المغربية صراحة على ضمان حق الولوج إلى تعليم ذي جودة قائم على مبدأ تكافؤ الفرص وعدم التمييز، كما عزز هذا التوجه من خلال مجموعة من القوانين التنظيمية والسياسات العمومية الرامية إلى تحقيق الإنصاف وتكريس العدالة التعليمية، غير أن القراءة المتأنية لواقع المنظومة التعليمية تكشف عن وجود فجوة واضحة بين الإطار القانوني المعلن والممارسة الفعلي؛ حيث لا تزال تفاوتات بنيوية عميقة تعيق التمتع الفعلي والمتكافئ بهذا الحق خاصة بالنسبة للفئات الاجتماعية الهشة، إذ تتجلى هذه التفاوتات في مجموعة من المؤشرات من بينها الاختلالات المجالية بين الوسطين الحضري والقروي والفوارق الاجتماعية المرتبطة بالوضع الاقتصادي للأسر، إضافة إلى الإكراهات الخاصة التي تواجه المتعلمين في وضعية إعاقة أو ذوي الاحتياجات الخاصة، فبالرغم من تعدد النصوص القانونية التي تؤكد على مبدأ المساواة فإن غياب آليات تنفيذية فعالة وضعف التنسيق المؤسساتي يؤديان إلى تكريس أشكال غير مباشرة من الإقصاء التعليمي مما يفرغ هذا المبدأ من مضمونه الحقوقي.

تبرز هذه الإشكالية بشكل أكثر حدة في مجال الدمج المدرسي الذي يعد أحد المداخل الأساسية لتحقيق المساواة الفعلية داخل المنظومة التعليمية. فالدمج المدرسي لا يقتصر على مجرد إدماج المتعلمين ذوي الاحتياجات الخاصة داخل الفصول الدراسية العادية بل يشمل تهيئة بيئة تعليمية دامجة تستجيب لمختلف الحاجات الفردية وتضمن المشاركة الكاملة والمتكافئة في الحياة المدرسية، غير أن هذا التصور الشامل للدمج يصطدم في الواقع العملي بعراقيل قانونية وإدارية متعددة، تحول دون تفعيله الكامل. ومن أبرز هذه العراقيل غياب إطار قانوني موحد ومتكامل ينظم الدمج المدرسي بشكل صريح وملزم إذ تظل المقتضيات القانونية ذات الصلة مشتتة بين نصوص عامة وتوجيهات إدارية دون تحديد دقيق للمسؤوليات أو إقرار آليات واضحة للمساءلة، كما يضاف إلى ذلك ضعف التأطير الإداري ونقص الموارد البشرية المؤهلة مما يجعل تطبيق مبادئ المساواة والدمج رهينا لاجتهادات محلية متفاوتة بين المؤسسات التعليمية. وعليه فإن تحقيق المساواة في التعليم لا يمكن اختزاله في مجرد الإقرار القانوني بالحقوق بل يقتضي الانتقال من المساواة الشكلية إلى المساواة الفعلية من خلال اعتماد مقاربة قانونية ومؤسساتية شمولية تراعي خصوصيات الفئات الهشة وتربط بين النص القانوني وآليات التنفيذ والتتبع والتقييم، كما يتطلب الأمر إعادة النظر في السياسات العمومية التعليمية بما يضمن إدماج مبادئ العدالة التعليمية في مختلف مراحل التخطيط والتنزيل وتعزيز دور المؤسسات التعليمية كفضاءات لحماية الحقوق وتحقيق الإنصاف.

أولا: الإطار القانوني للمساواة في التعليم بالمغرب

يستند الإطار القانوني للمساواة في التعليم بالمغرب إلى منظومة متعددة المستويات من المرجعيات الدستورية والتشريعية والتنظيمية تعكس في مجملها الإرادة المعلنة للدولة في تكريس الحق في التعليم وضمان تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين دون تمييز. ويعد هذا الإطار امتدادا للتوجهات الحقوقية الحديثة التي تنظر إلى التعليم باعتباره حقا أساسيا من حقوق الإنسان وشرطا لازما لتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية الشاملة، غير أن فعالية هذا الإطار تظل رهينة بمدى انسجام نصوصه مع آليات التنفيذ والتطبيق العملي داخل المنظومة التربوية.

وفي هذا السياق يشكل دستور المملكة المغربية لسنة 2011 المرجعية العليا التي أرست الأساس الدستوري لمبدأ المساواة في التعليم، إذ نص على ضمان حق المواطنين في تعليم عصري ميسر وذي جودة قائم على مبادئ الإنصاف وتكافؤ الفرص وعدم التمييز. ويعكس هذا التنصيص الدستوري تحولا نوعيا في النظرة إلى التعليم من كونه خدمة اجتماعية إلى اعتباره حقا دستوريا يترتب على الدولة التزام إيجابي بضمان شروط الولوج إليه والاستفادة منه على قدم المساواة، كما يكرس الدستور مسؤولية السلطات العمومية في تعبئة الوسائل اللازمة لتحقيق هذا الحق بما في ذلك التخطيط والتقنين والمراقبة. وتعزيزا لهذا التوجه جاءت الرؤية الإستراتيجية لإصلاح منظومة التربية والتكوين لتؤكد على مركزية مبدأ الإنصاف وتكافؤ الفرص في السياسات التعليمية معتبرة أن تحقيق المساواة في التعليم يشكل شرطا أساسيا لإصلاح المدرسة المغربية والرفع من مردوديتها الاجتماعية، وقد دعت هذه الرؤية إلى معالجة الاختلالات البنيوية التي تعاني منها المنظومة التعليمية سواء على المستوى المجالي أو الاجتماعي أو الوظيفي مع التركيز على الفئات التي تعاني من الهشاشة والإقصاء التعليمي، غير أن الطابع التوجيهي لهذه الرؤية وعدم إرفاقها بنصوص قانونية ملزمة في بعض جوانبها يحد من قدرتها على إحداث التغيير المنشود.

وعلى المستوى التشريعي يتوزع الإطار القانوني المنظم للمساواة في التعليم بين مجموعة من القوانين والنصوص التنظيمية التي تتناول جوانب متفرقة من العملية التعليمية دون أن تشكل في مجموعها مدونة قانونية متكاملة تؤطر هذا المبدأ بشكل صريح وشامل. ويؤدي هذا التشتت التشريعي إلى غموض في تحديد المسؤوليات وتداخل في الاختصاصات مما ينعكس سلبا على حماية الحق في المساواة داخل المؤسسات التعليمية، كما أن غياب نصوص تطبيقية دقيقة يفرغ العديد من المقتضيات القانونية من مضمونها العملي ويجعلها أقرب إلى إعلان نوايا منها إلى التزامات قانونية قابلة للتنفيذ.

وفي إطار انفتاحه على المنظومة الحقوقية الدولية انخرط المغرب في عدد من الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بالحق في التعليم والمساواة من بينها اتفاقية حقوق الطفل واتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة اللتان تؤكدان على حق جميع الأطفال في تعليم شامل ومنصف وتلزمان الدول الأطراف باتخاذ التدابير التشريعية والإدارية اللازمة لضمان إدماج الفئات الهشة داخل المنظومة التعليمية. ويترتب على هذا الانخراط التزام قانوني دولي يفرض على الدولة ملاءمة تشريعاتها الوطنية مع المعايير الدولية وضمان التطبيق الفعلي للمبادئ التي أقرتها هذه الاتفاقيات، غير أن الواقع العملي يكشف عن فجوة واضحة بين الالتزامات الدولية والدستورية من جهة والممارسة الفعلية داخل المؤسسات التعليمية من جهة أخرى، فبالرغم من شمولية الإطار القانوني وتعدد مرجعياته لا يزال يعاني من ضعف في التنزيل العملي نتيجة غياب آليات تنفيذية واضحة وفعالة وعدم وضوح الآليات الزجرية في حالة الإخلال بمبدأ المساواة. ويؤدي هذا الوضع إلى إفلات العديد من الممارسات التمييزية غير المباشرة من المساءلة القانونية خاصة تلك التي تستهدف المتعلمين المنتمين إلى فئات هشة، كما يلاحظ أن مبدأ المساواة في التعليم غالبا ما يتم التعامل معه بمنطق شكلي يقتصر على الإقرار القانوني دون توفير الشروط الموضوعية لتحقيقه على أرض الواقع. فالمساواة الشكلية التي تقوم على معاملة جميع المتعلمين بالطريقة نفسها لا تؤدي بالضرورة إلى تحقيق العدالة التعليمية خاصة في ظل التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية القائمة. ومن ثم فإن تحقيق المساواة الفعلية يقتضي اعتماد مقاربة قانونية تمييزية إيجابية تراعي خصوصيات الفئات التي تواجه صعوبات مضاعفة في الولوج إلى التعليم والاستفادة منه. وعليه يمكن القول إن الإطار القانوني للمساواة في التعليم بالمغرب رغم غناه وتعدد مرجعياته، يظل في حاجة إلى إعادة هيكلة وتحيين بما يضمن وضوح المفاهيم وتكامل النصوص وتفعيل آليات المراقبة والمساءلة، كما يستوجب الأمر الانتقال من منطق التصريح بالمبادئ إلى منطق الإلزام القانوني بما يعزز حماية الحق في التعليم ويكرس المساواة كقيمة قانونية وممارسة مؤسساتية فعلية داخل المنظومة التربوية.

ثانيا: التحديات القانونية والإدارية

تتجلى التحديات القانونية التي تعيق تحقيق المساواة في التعليم بالمغرب في تعدد النصوص التشريعية والتنظيمية وتشتتها على نحو يفتقد إلى الانسجام المنهجي والتكامل الوظيفي بينها وهو ما يؤدي إلى إضعاف القوة الإلزامية لمبدأ المساواة داخل المنظومة التعليمية. فالإطار القانوني المنظم للحق في التعليم يتسم بطابع جزئي ومتناثر؛ حيث تتوزع المقتضيات المرتبطة بالمساواة والإنصاف وتكافؤ الفرص بين نصوص قانونية عامة وتوجيهات إدارية متفرقة دون أن يتم تجميعها ضمن منظومة قانونية موحدة تحدد بدقة الحقوق المكفولة للمتعلمين والالتزامات المفروضة على الدولة والمؤسسات التعليمية والجزاءات المترتبة عن الإخلال بهذه الالتزامات. ويؤدي هذا التشتت إلى غموض في تفسير النصوص القانونية وإلى تفاوت في تنزيلها على مستوى المؤسسات التعليمية بما يفرز أشكالا مختلفة من التعامل مع مبدأ المساواة تبعا للاجتهادات المحلية والظروف السياقية. ويزداد هذا الوضع تعقيدا في ظل ضعف المراقبة القانونية لتنفيذ السياسات التعليمية؛ حيث تظل آليات التتبع والتقييم محدودة النجاعة وغير قادرة على ضمان التطبيق الموحد والفعلي للمقتضيات القانونية ذات الصلة بالمساواة في التعليم. فغياب أجهزة رقابية متخصصة وعدم انتظام عمليات التقييم الدوري يجعلان احترام هذا المبدأ رهينا بالإرادة الفردية للمسؤولين التربويين بدل أن يكون التزاما قانونيا يخضع للمساءلة، كما أن عدم وضوح الآليات الزجرية في حالة الإخلال بمبدأ المساواة يساهم في إفلات العديد من الممارسات التمييزية غير المعلنة من أي مساءلة قانونية الأمر الذي يكرس واقعا تعليميا قائما على المساواة الشكلية دون تحقيق المساواة الفعلية.

وعلى المستوى الإداري تواجه الإدارة التربوية صعوبات بنيوية تعكس محدودية القدرة المؤسساتية على تنزيل مبادئ التربية الدامجة على أرض الواقع. وتتمثل هذه الصعوبات أساسا في النقص الحاد في الموارد البشرية المؤهلة سواء على مستوى الأطر التربوية أو الإدارية القادرة على التعامل مع متطلبات التعليم الدامج وخصوصيات المتعلمين ذوي الاحتياجات الخاصة، كما يلاحظ ضعف برامج التكوين الأساسي والمستمر في مجالات حقوق المتعلمين والتدبير البيداغوجي للاختلاف والدعم النفسي والتربوي مما يحد من قدرة الفاعلين التربويين على الاستجابة للحاجات المتنوعة داخل الفصول الدراسية، إلى جانب ذلك تعاني المؤسسات التعليمية من محدودية الإمكانات المادية والبشرية الضرورية لتوفير بيئة تعليمية دامجة سواء من حيث تكييف الفضاءات المدرسية أو توفير الوسائل الديداكتيكية الملائمة أو إرساء آليات للدعم الفردي والمتابعة النفسية والتربوية. ويؤدي هذا القصور المؤسسي إلى إنتاج ممارسات إقصائية غير مباشرة لا تتخذ بالضرورة طابعا صريحا لكنها تفضي في نتائجها إلى انتهاك مبدأ المساواة، ومن بين هذه الممارسات رفض تسجيل بعض الأطفال بدعوى عدم توفر الشروط الملائمة أو توجيههم نحو مسارات تعليمية غير ملائمة لقدراتهم وحاجاتهم وهو ما يشكل إخلالا جوهريا بالحق في تعليم منصف ومتكافئ، ويترتب عن هذا الواقع إفراغ مبدأ المساواة في التعليم من محتواه الفعلي وتحويله إلى شعار قانوني لا يجد ترجمة حقيقية في الممارسة اليومية داخل المؤسسات التعليمية، كما يؤدي استمرار هذه الاختلالات إلى تعميق الفوارق الاجتماعية والتعليمية وإلى إعادة إنتاج الإقصاء داخل المنظومة التعليمية بدل الحد منه. ويظهر بوضوح أن الإشكال لا يكمن فقط في غياب النصوص القانونية بل في ضعف تفعيلها وعدم ربطها بآليات فعالة للتنفيذ والمراقبة والمساءلة. وعليه فإن تجاوز هذه التحديات يقتضي اعتماد مقاربة قانونية ومؤسساتية شمولية تقوم على إعادة هيكلة الإطار التشريعي المنظم للمساواة في التعليم وتعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين وتقوية القدرات الإدارية والبشرية للمؤسسات التعليمية، كما يتطلب الأمر الانتقال من منطق التدبير الإداري الضيق إلى منطق الحقوق الذي يضع المتعلم في صلب العملية التعليمية ويجعل من المساواة التزاما قانونيا قابلا للإنفاذ لا مجرد مبدأ توجيهي أو هدف سياسي عام.

ثالثا: مقارنة مع تجارب دولية ناجحة

تظهر التجارب الدولية المقارنة ولا سيما في دول مثل كندا وفنلندا أن تحقيق المساواة في التعليم لا يقتصر على إقرار المبادئ العامة ضمن النصوص الدستورية أو التشريعية، بل يقتضي بالأساس اعتماد إطار قانوني واضح ومتكامل يقوم على إلزامية الحقوق التعليمية وربطها بآليات تنفيذ دقيقة وقابلة للتقييم. ففي هذه الدول يتم التعامل مع المساواة في التعليم باعتبارها حقا قانونيا قابلا للإنفاذ القضائي والإداري وليس مجرد مبدأ توجيهي أو خيار سياسي ظرفي وهو ما يعكس تحولا عميقا في فلسفة التدبير العمومي للمنظومة التعليمية.

ويبرز هذا التوجه من خلال التزام السلطات العمومية بتوفير الدعم الفردي للمتعلمين وفق حاجاتهم الخاصة في إطار مقاربة حقوقية شمولية تضع المتعلم في قلب السياسات التعليمية. فالدعم لا ينظر إليه باعتباره إجراء استثنائيا أو تفضيلا إداريا بل باعتباره التزاما قانونيا يهدف إلى ضمان تكافؤ الفرص وتحقيق المساواة الفعلية بين المتعلمين بغض النظر عن اختلاف أوضاعهم الاجتماعية أو الجسدية أو المعرفية. ويعكس هذا التصور الانتقال من منطق المساواة الشكلية القائمة على المعاملة المتطابقة إلى منطق المساواة الموضوعية التي تراعي الفوارق الفردية وتسعى إلى تقليص آثارها.

تتميز هذه التجارب بوجود تشريعات صريحة ومفصلة تنظم التربية الدامجة وتحدد بدقة مسؤوليات المؤسسات التعليمية والفاعلين التربويين سواء على مستوى التخطيط أو التنفيذ أو التتبع، كما تفرض هذه التشريعات على المؤسسات التعليمية واجب تهيئة البيئة المدرسية بما يتلاءم مع حاجات جميع المتعلمين وتلزمها باتخاذ التدابير اللازمة لضمان المشاركة الكاملة والفعالة داخل الفصول الدراسية، ويترتب عن هذا الإطار التشريعي الواضح تقليص هامش الاجتهاد الفردي وتعزيز الطابع الإلزامي لاحترام الحقوق التعليمية، إلى جانب ذلك تعتمد هذه الدول أنظمة رقابية فعالة تضمن احترام القوانين والسياسات التعليمية من خلال إرساء آليات مؤسساتية مستقلة للتفتيش والمراقبة والتقييم، وتتمتع هذه الآليات بصلاحيات واضحة تتيح لها رصد الاختلالات وتقديم التوصيات الملزمة بل وفرض جزاءات في حالة ثبوت الإخلال بالالتزامات القانونية، كما يتم اعتماد تقييم دوري لنتائج السياسات التعليمية يعتمد على مؤشرات كمية ونوعية تسمح بقياس مدى تحقق أهداف المساواة والدمج المدرسي وتوفير قاعدة بيانات دقيقة تساعد على اتخاذ قرارات تصحيحية مستندة إلى معطيات واقعية. تسهم هذه المقاربة القائمة على التقييم المستمر في تعزيز فعالية السياسات التعليمية وضمان استدامتها إذ يتم باستمرار تعديل البرامج والمناهج وأساليب التدخل بناء على نتائج التقييم، كما يسمح هذا النهج بتعميم الممارسات الناجحة وتجاوز الاختلالات التي قد تظهر أثناء التنفيذ بما يعزز ثقة الفاعلين التربويين والمتعلمين في المنظومة التعليمية. ويعد هذا التفاعل الديناميكي بين التقنين والتنفيذ والتقييم من أبرز عناصر نجاح التجارب الدولية في مجال تحقيق المساواة في التعليم.

وفي المقابل يبرز الفرق الجوهري بين هذه النماذج والسياق المغربي في قوة الآليات القانونية والرقابية وفي مدى الانتقال من منطق الإعلان عن المبادئ إلى منطق الإلزام والمساءلة، فبينما تعتمد الدول المشار إليها إطارا قانونيا صارما يربط بين الحق والواجب والجزاء لا يزال الإطار المغربي يعاني من ضعف في تفعيل النصوص القانونية وغياب آليات فعالة للمساءلة، كما أن محدودية التقييم الدوري وغياب مؤشرات واضحة لقياس أثر السياسات التعليمية يحدان من القدرة على تصحيح الاختلالات وتحسين الأداء. وعليه تبرز أهمية الاستفادة من هذه التجارب الدولية في إعادة التفكير في الإطار القانوني والمؤسساتي للمساواة في التعليم بالمغرب من خلال تعزيز الطابع الإلزامي للنصوص القانونية، وتطوير آليات المراقبة والتقييم وربط السياسات التعليمية بمقاربة حقوقية شاملة، كما يقتضي الأمر إرساء ثقافة قانونية داخل المؤسسات التعليمية تقوم على احترام الحقوق وتحمل المسؤوليات بما يضمن الانتقال من المساواة المعلنة إلى المساواة الفعلية داخل المنظومة التعليمية.

رابعا: أثر التحديات القانونية والإدارية على فعالية الدمج المدرسي

يشكل الدمج المدرسي أحد المرتكزات الأساسية لتحقيق المساواة الفعلية داخل المنظومة التعليمية، باعتباره آلية قانونية وتربوية تهدف إلى ضمان الحق في التعليم لجميع المتعلمين دون تمييز ولاسيما الأطفال في وضعية إعاقة أو هشاشة اجتماعية، غير أن تفعيل هذا الخيار التربوي يظل رهينا بمدى توفر إطار قانوني وإداري واضح ملزم ومنسجم قادر على تحويل المبادئ المعلنة إلى حقوق قابلة للإنفاذ. وفي هذا السياق تبرز التحديات القانونية والإدارية كعوامل مركزية تؤثر بشكل مباشر في نجاعة برامج الدمج المدرسي وفي مدى تحقيقها لأهدافها المعلنة.

فمن الناحية القانونية يؤدي غياب نص تشريعي شامل ومتكامل ينظم الدمج المدرسي إلى تفاوت ملحوظ في تطبيق هذا الخيار بين المؤسسات التعليمية، إذ إن تعدد النصوص المرجعية وتشتتها بين قوانين عامة ومذكرات تنظيمية وتوجيهات إدارية دون تجميعها ضمن إطار قانوني موحد، يفرز حالة من الغموض وعدم اليقين القانوني. ويترتب عن هذا الوضع ضعف الإلزام القانوني؛ حيث يتم التعامل مع الدمج المدرسي في كثير من الأحيان باعتباره خيارا بيداغوجيا اختياريا لا التزاما قانونيا واجب التنفيذ مما يفتح المجال أمام ممارسات متباينة تختلف باختلاف الاجتهادات الإدارية والموارد المتاحة. ويؤدي هذا التفاوت في التنزيل إلى تفاوت مماثل في استفادة المتعلمين من خدمات الدعم والتكييف التربوي سواء تعلق الأمر بتوفير الوسائل الديداكتيكية الملائمة أو الدعم البيداغوجي الفردي، أو المصاحبة النفسية والاجتماعية، ففي ظل غياب معايير قانونية دقيقة تحدد شروط الدمج وآلياته يصبح ولوج المتعلمين إلى هذه الخدمات خاضعا لمنطق الإمكانات وليس لمنطق الحق وهو ما يتعارض مع مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص التي يفترض أن تؤطر السياسة التعليمية. ولا يقل ضعف المراقبة القانونية أثرا عن غموض النصوص إذ تفتقر آليات التتبع والتقييم إلى النجاعة والاستمرارية مما يجعل احترام مقتضيات الدمج المدرسي رهينا بالمبادرات الفردية بدل الخضوع لمنظومة مراقبة مؤسساتية صارمة، كما أن غياب آليات زجرية واضحة في حالة الإخلال بالالتزامات المرتبطة بالدمج يساهم في تكريس ممارسات إقصائية غير معلنة لا تجد طريقها إلى المساءلة القانونية، سواء على مستوى الإدارة أو على مستوى المؤسسات التعليمية.

وعلى الصعيد الإداري تواجه برامج الدمج المدرسي تحديات بنيوية تحد من فعاليتها تتمثل أساسا في نقص الموارد البشرية المؤهلة للتعامل مع متطلبات التربية الدامجة، فقلة الأطر المتخصصة في مجال الإعاقة وضعف التكوين المستمر للمدرسين في مجال التكيف البيداغوجي يؤديان إلى صعوبات حقيقية في الاستجابة لحاجيات المتعلمين داخل الفصول الدراسية، كما أن غياب التنسيق بين مختلف المتدخلين من إدارة تربوية وأطر تعليمية وأسر يضعف من الطابع الشمولي للدمج ويحد من استدامته. ويزداد أثر هذه التحديات حدة في ظل ضعف الإمكانات المادية والبشرية داخل عدد من المؤسسات التعليمية؛ حيث تعجز العديد منها عن توفير بيئة مدرسية ملائمة سواء من حيث الولوجيات، أو التجهيزات أو الوسائل التعليمية الداعمة. وينعكس هذا الوضع سلبا على جودة الخدمات التربوية المقدمة ويؤدي إلى إنتاج أشكال من الإقصاء غير المباشر مثل الامتناع عن تسجيل بعض الأطفال أو توجيههم نحو مسارات تعليمية غير ملائمة لقدراتهم تحت ذريعة عدم توفر الشروط الضرورية.

أما على مستوى المتعلم فإن هذه الاختلالات القانونية والإدارية تؤثر بشكل مباشر في تجربته المدرسية؛ حيث يؤدي ضعف التأطير القانوني والمؤسساتي إلى شعور بالإقصاء وعدم الاعتراف بالحقوق فضلا عن محدودية الدعم التربوي والنفسي المقدم. ويترتب عن ذلك تراجع في الدافعية للتعلم وضعف في الاندماج الاجتماعي داخل الوسط المدرسي مما ينعكس سلبا على التحصيل الدراسي وعلى البناء النفسي والاجتماعي للمتعلمين.

وفي الأخير تؤدي هذه التحديات إلى إفراغ الدمج المدرسي من مضمونه الحقوقي، وتحويله من آلية لتحقيق المساواة الفعلية إلى ممارسة جزئية ومحدودة الأثر، وهو ما يستدعي إعادة النظر في الإطار القانوني والإداري المؤطر للدمج المدرسي من خلال إرساء تشريع واضح ومتكامل وتعزيز آليات المراقبة والمساءلة وتوفير الموارد البشرية والمادية الكفيلة بضمان حق جميع المتعلمين في تعليم دامح وعادل، فبدون معالجة هذه التحديات البنيوية سيظل الدمج المدرسي رهينا بالشعارات بعيدا عن تحقيق العدالة التعليمية المنشودة.

خامسا: آفاق تعزيز المساواة في التعليم ومتطلبات الإصلاح القانوني والمؤسساتي

إن تعزيز المساواة في التعليم يقتضي في المقام الأول مراجعة شاملة وعميقة للمنظومة القانونية المؤطرة لهذا الحق بما يضمن الانتقال من مستوى الاعتراف المبدئي إلى مستوى الإلزام والتنفيذ الفعلي. فواقع التعدد والتشتت الذي يميز النصوص القانونية والتنظيمية ذات الصلة بالمساواة والإنصاف في المجال التعليمي يفرز غموضا مفاهيميا وتطبيقا غير متجانس وهو ما يستدعي توحيد هذه النصوص ضمن إطار قانوني متكامل يحدد بدقة المفاهيم الأساسية المرتبطة بالمساواة والإنصاف وتكافؤ الفرص والتربية الدامجة على نحو يحد من التأويلات المتباينة ويعزز الأمن القانوني.

يقتضي هذا الإصلاح القانوني تدقيق الالتزامات الملقاة على عاتق الدولة والسلطات العمومية والمؤسسات التعليمية مع التنصيص الصريح على الطابع الإلزامي لمبادئ التربية الدامجة، باعتبارها آلية مركزية لضمان الحق في التعليم دون تمييز، فالمساواة في التعليم لا يمكن أن تظل مجرد مبدأ توجيهي أو هدف استراتيجي غير ملزم بل ينبغي تكريسها كحق قانوني قابل للمطالبة والتنفيذ يخضع لرقابة القضاء ولمساءلة الإدارة في حالة الإخلال به.

وإلى جانب توحيد النصوص وتدقيق المفاهيم يبرز إقرار آليات واضحة وفعالة للمراقبة والمساءلة كشرط أساسي لضمان نجاعة السياسات التعليمية، إذ إن غياب أجهزة تتبع مستقلة، أو ضعف صلاحياتها يحد من القدرة على تقييم مدى احترام مقتضيات المساواة والدمج داخل المؤسسات التعليمية. ومن ثم فإن إرساء منظومة متكاملة للتتبع والتقييم تقوم على مؤشرات دقيقة وقابلة للقياس من شأنه تمكين صناع القرار من رصد الاختلالات وتصحيحها في الوقت المناسب وضمان توجيه السياسات العمومية نحو تحقيق أثر فعلي على الفئات المستهدفة، كما يستلزم تعزيز المساواة في التعليم تقوية البعد المؤسساتي للإصلاح من خلال تعزيز الحوار مع الأطر التربوية وربط المسؤولية بالمحاسبة، فنجاعة النصوص القانونية تظل محدودة في غياب إدارة تربوية قادرة على تفعيلها وعلى فرض احترامها داخل مختلف المستويات التنظيمية. ويعد التنصيص على جزاءات قانونية وإدارية واضحة في حالة الإخلال بمبدأ المساواة خطوة ضرورية للحد من الممارسات الإقصائية سواء كانت صريحة أو غير مباشرة، وضمان حماية الحقوق التعليمية للمتعلمين.

ومن الزاوية البيداغوجية لا يمكن تحقيق دمج مدرسي فعلي دون الاستثمار في العنصر البشري باعتباره الفاعل الأساسي في تنزيل السياسات التعليمية. فتعزيز قدرات الفاعلين التربويين عبر التكوين المستمر والمتخصص في مجال التربية الدامجة وحقوق المتعلمين يشكل ركيزة لا غنى عنها لضمان جودة الممارسات داخل الفصول الدراسية، كما أن تمكين المدرسين والأطر الإدارية من أدوات بيداغوجية وقانونية ملائمة يسهم في تجاوز منطق الارتجال ويعزز التعامل المهني مع حاجيات المتعلمين المختلفة. ويوازي ذلك ضرورة تعزيز الموارد البشرية والمادية للمؤسسات التعليمية بما يضمن توفير بيئة مدرسية دامجة تراعي متطلبات الولوجيات، والتجهيزات والدعم التربوي والنفسي، فضعف الإمكانات المادية لا يشكل فقط عائقا تقنيا بل يتحول في كثير من الأحيان إلى عامل تمييز فعلي يحرم فئات معينة من حقها في تعليم ملائم ويقوض مبدأ تكافؤ الفرص.

وفي إطار مقاربة أكثر شمولية يبرز اعتماد مقاربة تشاركية كمدخل أساسي لضمان استدامة الإصلاحات التعليمية، فإشراك الأسرة والمجتمع المدني في تتبع وتنفيذ السياسات التعليمية يسهم في تعزيز الرقابة المجتمعية ويخلق دينامية داعمة للدمج المدرسي خارج أسوار المؤسسة التعليمية، كما أن هذا الانخراط الجماعي يعزز الوعي بالحقوق التعليمية ويدعم بناء ثقافة مدرسية قائمة على قبول الاختلاف واحترام التنوع.

خاتمة

تخلص هذه الدراسة إلى أن المساواة في التعليم بالمغرب رغم ما تحظى به من اعتراف دستوري وتشريعي لا تزال رهينة بتجاوز مجموعة من التحديات القانونية والإدارية والمؤسساتية التي تعيق تنزيلها الفعلي، فالفجوة القائمة بين النص والممارسة تبرز الحاجة الملحة إلى إصلاح عميق للإطار القانوني المنظم للحق في التعليم وإلى تعزيز الحكامة التربوية بما يضمن تحويل المبادئ المعلنة إلى حقوق ملموسة يستفيد منها جميع المتعلمين دون استثناء. ويشكل الاستثمار في تشريع واضح ومتكامل، مدعوم بآليات فعالة للمراقبة والمساءلة إلى جانب تقوية قدرات الفاعلين التربويين وتعبئة الموارد الضرورية، شرطا أساسيا لتحقيق دمج مدرسي فعلي، كما أن تبني مقاربة تشاركية شمولية تنفتح على الأسرة والمجتمع المدني من شأنه دعم استدامة الإصلاحات وتعزيز العدالة التعليمية.. وبذلك يمكن للتربية الدامجة أن تتحول من خيار نظري إلى ممارسة مؤسساتية راسخة تسهم في إرساء مساواة حقيقية داخل المدرسة المغربية.

لائحة المراجع

Lynch, K., Baker (2005). Equality in education: An equality of condition perspective. Theory and Research in Education, 3(2), 131–164. https://doi.org/10.1177/1477878505050532

Ministère de l'Éducation Nationale Maroc (2018). Rapport sur l’éducation inclusive au Maroc. Rabat: Ministère de l'Éducation Nationale.

إرسال تعليق

0 تعليقات

إرسال تعليق (0)
3/related/default