أثر السياسات العمومية على نجاح برامج الدمج المدرسي

التربية الدامجة والتقنيات الذكية
0

أثر السياسات العمومية على نجاح برامج الدمج المدرسي

ملخص

تمثل السياسات العمومية أداة مركزية في تصميم وتنفيذ برامج الدمج المدرسي، إذ تحدد الإطار القانوني والتنظيمي للمدارس وتوفر الموارد اللازمة لضمان تكافؤ الفرص لجميع المتعلمين. ويهدف هذا المقال إلى دراسة أثر هذه السياسات على فعالية التربية الدامجة من خلال تحليل التجربة المغربية ومقارنتها ببعض النماذج الدولية التي نجحت في تحقيق مبدأ المساواة في التعليم، كما يسعى المقال إلى تحديد العوامل التي تعزز أو تعيق تنفيذ السياسات العمومية مع تقديم توصيات عملية لتعزيز الحكامة التعليمية وضمان دمج مدرسي فعلي ومستدام.

الكلمات المفاتيح
السياسات العمومية، التربية الدامجة، الدمج المدرسي، الحكامة التعليمية

مقدمة

أصبحت التربية الدامجة اليوم خيارا استراتيجيا محوريّا ضمن السياسات التعليمية الحديثة؛ حيث يعكس اعتمادها التزام الدولة بضمان الحق في التعليم لكافة المتعلمين دون تمييز وبما يسهم في تعزيز العدالة التعليمية والمساواة الفعلية داخل المدرسة، غير أن نجاح هذه الاستراتيجية يظل رهينا بمدى انسجام السياسات العمومية مع المبادئ الحقوقية والتنظيمية ومدى قدرتها على توفير إطار قانوني وإداري واضح يمكن المؤسسات التعليمية من تفعيل برامج الدمج المدرسي بكفاءة وفعالية. ففي غياب تنسيق منهجي بين السياسات العامة والمبادئ القانونية تتحول التربية الدامجة إلى خيار شكلي لا يتجاوز الإعلان عن المبادئ إلى التطبيق الواقعي داخل الفصول الدراسية. يتطلب تحليل هذا الوضع التأكيد على أن السياسات العمومية ليست مجرد أدوات تنظيمية بل هي آليات تنفيذية ترتبط مباشرة بالتزامات الدولة القانونية والدستورية تجاه المتعلمين لا سيما الأطفال في وضعية إعاقة أو الفئات الهشة، فالسياسة العمومية الفعالة في مجال التربية الدامجة يجب أن تترجم المبادئ الحقوقية إلى أفعال ملموسة تشمل توفير الموارد البشرية المؤهلة والوسائل الديداكتيكية الملائمة، والبنية التحتية المناسبة، إضافة إلى وضع آليات متابعة وتقييم دورية تضمن احترام الحقوق وتفعيلها على أرض الواقع وغياب هذه العناصر يفضي إلى تفاوت كبير في جودة الخدمات المقدمة ويحد من قدرة البرامج التعليمية على تحقيق المساواة والاندماج الفعلي للمتعلمين.

ومن زاوية قانونية يشكل انسجام السياسات العمومية مع التشريعات الوطنية والدولية المتعلقة بحقوق الطفل وحقوق الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة شرطا أساسيا لضمان الاستدامة والفعالية، إذ لا يمكن اعتبار برامج الدمج المدرسي ناجحة إذا لم تكن مدعومة بإطار قانوني ملزم يحدد بوضوح مسؤوليات الدولة والمؤسسات التعليمية والفاعلين التربويين ويربط بين الالتزام القانوني وتطبيق البرامج ومساءلة المخالفين، كما يجب أن تتضمن السياسات آليات لتصحيح الاختلالات من خلال تقارير دورية ومؤشرات موضوعية تقيس مدى تحقيق أهداف الدمج ومدى استفادة الفئات المستهدفة من الدعم التربوي والاجتماعي والنفسي. ويظهر بجلاء أن التجارب الدولية الناجحة، مثل كندا وفنلندا اعتمدت على مقاربة شمولية تجمع بين الإطار القانوني الصارم والسياسات العمومية الملزمة والدعم المؤسسي والمجتمعي ما مكنها من تحقيق تكافؤ الفرص وضمان حقوق جميع المتعلمين، وفي المقابل يظل السياق المغربي على الرغم من التقدم التشريعي والاعتراف الدستوري بالمساواة في التعليم يواجه تحديات مرتبطة بتشتت النصوص وضعف التنسيق بين السياسات المختلفة، ونقص الموارد البشرية المؤهلة وضعف آليات المراقبة والتقييم، وهو ما يحد من فعالية برامج الدمج المدرسي ويؤخر تحقيق أهداف التربية الدامجة على أرض الواقع.

وعليه يبرز أن تحسين فعالية التربية الدامجة يستلزم إعادة النظر في العلاقة بين السياسات العمومية والمبادئ الحقوقية والتنظيمية من خلال اعتماد مقاربة متكاملة تضمن التزام الدولة بتوفير الموارد اللازمة وتحديد المسؤوليات وتفعيل آليات المراقبة والمساءلة مع إشراك الأسرة والمجتمع المدني في متابعة تنفيذ البرامج، كما يستوجب ذلك تعزيز قدرات الفاعلين التربويين عبر التكوين المستمر والمتخصص وتطوير البنية التحتية للمدارس وتجهيزها بالوسائل الديداكتيكية الضرورية لدعم المتعلمين في مسارات الدمج.

في هذا الإطار تكتسب الحكامة التعليمية بعدا استراتيجيا إذ لا يقتصر الأمر على وضع السياسات بل يشمل تصميم آليات تنفيذ ومتابعة فعالة قادرة على تقييم النتائج وتصحيح الاختلالات، فالتجربة العملية أظهرت أن غياب التنسيق بين التشريعات والسياسات أو ضعف الالتزام بالتوصيات والإجراءات المنصوص عليها يؤدي إلى استمرارية التفاوتات بين المتعلمي ويضعف من قدرة المدرسة على ممارسة دورها في تعزيز العدالة التعليمية والمساواة الفعلية. وبالتالي يصبح من الضروري تبني رؤية شمولية للتربية الدامجة تربط بين الأطر القانونية والسياسات العمومية والموارد المؤسسية والمجتمعية بما يضمن تنفيذ برامج الدمج المدرسي بفعالية ويحقق النتائج المرجوة، فنجاح التربية الدامجة لا يتحقق بمجرد الإعلان عن الحقوق أو اعتماد سياسات عامة بل يتطلب توافر مجموعة من العناصر المتكاملة تشمل القانون الإدارة الموارد التكوين والتقييم المستمر مع التأكيد على دور الأسرة والمجتمع المدني في دعم التنفيذ وضمان استدامته.

أولا: تعريف السياسات العمومية وأهدافها في التعليم الدامج

تشير السياسات العمومية إلى مجموعة القرارات والتدابير القانونية والتنظيمية التي تتخذها الدولة أو السلطات العمومية من أجل تنظيم المجالات المختلفة للحياة الاجتماعية وضمان معالجة القضايا المجتمعية بما يخدم الصالح العام ويحقق العدالة والمساواة بين المواطنين. وتمثل هذه السياسات أداة مركزية للسلطات العمومية لتمكين الدولة من توجيه الموارد ووضع القواعد وضمان تنفيذ المبادئ القانونية والتشريعية بما يعزز التنمية الشاملة والمستدامة. وفي مجال التعليم تعتبر السياسات العمومية إطارا توجيهيا واستراتيجيا يحدد الأهداف والمبادئ التي يجب أن تسير وفقها المؤسسات التعليمية ويكفل التنسيق بين مختلف المتدخلين من وزارة التربية الوطنية والأطر التربوية والأسرة والمجتمع المدني. وعندما يتعلق الأمر بالتعليم الدامج تكتسب السياسات العمومية بعدا حقوقيا وتنمويا هاما، إذ تهدف إلى تحقيق مجموعة من الأهداف المتكاملة أولها ضمان الولوج المنصف إلى المدرسة لجميع المتعلمين دون تمييز على أساس الجنس أو الوضع الاجتماعي أو الإعاقة أو الخلفية الثقافية. ويعني ذلك أن السياسات العمومية يجب أن تتضمن آليات قانونية وإدارية تضمن الحق في التسجيل والوصول إلى الفصول الدراسية والاستفادة من الدعم الفردي والمرافق المدرسية الملائمة بما يحقق تكافؤ الفرص ويحد من أي ممارسات تمييزية قد تعيق اندماج المتعلمين. ومن هنا يصبح الهدف من هذه السياسات ليس فقط التوسع في التمدرس بل ضمان الجودة والشمولية في التعلمات المقدمة بما يعزز قدرة المتعلم على تطوير مهاراته الأكاديمية والاجتماعية والنفسية.

ثانيا تسعى السياسات العمومية في مجال التربية الدامجة إلى تحسين جودة التعلمات المقدمة عبر تطوير مناهج وأساليب بيداغوجية تراعي التنوع في الاحتياجات التعليمية للمتعلمين. ويقتضي ذلك تكييف البرامج والمحتويات التعليمية واعتماد وسائل تعليمية ملائمة، وتوفير دعم تربوي متخصص بما يمكن الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة أو الفئات الهشة من الوصول إلى مستويات تحصيل مماثلة لأقرانهم، كما تشمل هذه السياسات تطوير قدرات المدرسين والأطر الإدارية من خلال برامج تكوين مستمر ومتخصص في التربية الدامجة وإدارة التنوع داخل الفصول الدراسية لضمان أن يكون التفاعل التربوي مطابقا لمعايير الجودة ويحقق النتائج المنشودة.

ثالثا تهدف السياسات العمومية إلى تعزيز الاندماج الاجتماعي للمتعلمين داخل الوسط المدرسي والمجتمع باعتبار التعليم الدامج وسيلة فعالة لتفكيك الحواجز الاجتماعية والنفسية التي قد تعيق مشاركة الفئات المستهدفة. ويعني ذلك أن السياسات يجب أن تتجاوز الجانب الأكاديمي لتشمل استراتيجيات لبناء مهارات التفاعل الاجتماعي وتشجيع التعاون بين جميع المتعلمين، وتحفيز ثقافة الاحترام والتسامح والتعددية داخل المدرسة، كما يجب أن تدمج هذه السياسات الأسرة والمجتمع المدني في العملية التعليمية بما يعزز الدعم الاجتماعي والنفسي للمتعلمين ويسهم في استدامة برامج الدمج المدرسي.

رابعا تكتسب السياسات العمومية في التعليم الدامج بعدا مؤسساتيا وقانونيا، إذ تهدف إلى وضع إطار التزامات واضح للدولة والمؤسسات التعليمية يحدد مسؤولياتها تجاه المتعلمين وحقوقهم ويضمن وجود آليات فعالة للمراقبة والمساءلة، فغياب هذه الآليات يؤدي إلى تفاوت في تنفيذ برامج الدمج بين المؤسسات وإلى ممارسات إقصائية غير معلنة، وهو ما يقلل من فعالية السياسات ويحد من تحقق العدالة التعليمية. ومن ثم فإن السياسة العمومية الناجحة هي تلك التي تربط بين المبادئ القانونية والحقوقية من جهة والتنفيذ العملي والتقييم المستمر من جهة أخرى بما يحقق التنسيق بين التشريع والتخطيط والتنفيذ والمراقبة والتقييم.

وأخيرا تؤكد التجارب الدولية الناجحة أن فعالية السياسات العمومية في التعليم الدامج تعتمد على شموليتها ووضوح أهدافها ومرونتها في التكيف مع المستجدات، إذ تعتمد هذه التجارب على إطار قانوني صريح يحدد الحقوق والالتزامات ويضمن دعم المؤسسات التعليمية والفاعلين التربويين مع وجود آليات تقييم دقيقة لقياس أثر السياسات وتصحيح الاختلالات عند الضرورة، وهو ما يبرز الفارق بين مجرد إعلان المبادئ وبين القدرة على تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع ويجعل من السياسة العمومية أداة استراتيجية لضمان المساواة الفعلية وتعزيز التكامل الاجتماعي داخل المدرسة والمجتمع.

بناء على ما سبق يتضح أن السياسات العمومية ليست مجرد وثائق تنظيمية بل هي أداة تنفيذية وحقوقية متكاملة تسعى إلى تحويل المبادئ القانونية المرتبطة بالمساواة والدمج إلى واقع تعليمي ملموس، ويستلزم تحقيق ذلك إرادة سياسية قوية وتنسيق فعال بين مختلف المتدخلين وضمان موارد بشرية ومادية كافية مع تبني مقاربة تشاركية تدمج الأسرة والمجتمع المدني في متابعة تنفيذ البرامج لضمان استدامة الإصلاحات وتعزيز العدالة التعليمية. ومن هذا المنطلق تصبح السياسات العمومية في التعليم الدامج مرجعية أساسية لتحقيق التعليم الشامل والمساواة الفعلية بين جميع المتعلمين بما يعكس الالتزام الحقوقي للدولة وفاعلية مؤسساتها التربوية.

ثانيا: تحليل السياسات المغربية والدولية في مجال التربية الدامجة

لقد أصبح تحليل السياسات العمومية في مجال التربية الدامجة أمرا ضروريا لفهم العوامل التي تحدد نجاح برامج الدمج المدرسي ومدى تحقيقها لمبدأ المساواة الفعلية داخل المدرسة. ويعكس هذا التحليل العلاقة الوثيقة بين الإطار القانوني والتنظيمي للدولة والموارد المؤسسية والبشرية المخصصة للتعليم الدامج والأثر الفعلي لهذه السياسات على المتعلمين والفئات المستهدفة. وفي هذا السياق يظهر الفرق الجوهري بين التجربة المغربية والتجارب الدولية الناجحة وهو ما يوفر فرصة لاستنتاج الدروس والتوصيات العملية القابلة للتطبيق في سياق المغرب.

فعلى المستوى المغربي شهدت السنوات الأخيرة اعتماد مجموعة من البرامج والسياسات الداعمة للتربية الدامجة تهدف إلى ضمان الولوج المدرسي لجميع المتعلمين وتحسين جودة التعلمات وتعزيز الاندماج الاجتماعي للأطفال في وضعية إعاقة أو الفئات الهشة. ومن بين هذه البرامج برامج تهيئة الفصول الدراسية ودعم الموارد البشرية المؤهلة وتطوير مناهج تتناسب مع الاحتياجات الخاصة بالإضافة إلى سياسات تشجيع المشاركة المجتمعية والأسرة في العملية التعليمية، غير أن هذه البرامج غالبا ما تظل محدودة الأثر بسبب عدة عوامل هيكلية وقانونية وإدارية أبرزها ضعف التنسيق بين الجهات المسؤولة وتشتت النصوص القانونية ونقص الموارد المالية والبشرية وضعف آليات المراقبة والتقييم الدوري وهو ما يؤدي إلى تفاوت كبير في تطبيق السياسات بين المؤسسات التعليمية. كما أن ضعف التكامل بين البرامج الوطنية والمبادرات المحلية يساهم في خلق فجوات تنفيذية؛ بحيث تصبح البرامج الداعمة للدمج المدرسي في كثير من الأحيان مجتزأة أو ظرفية ولا تتجاوز مرحلة الإعلان أو التوجيه الإداري مما يحد من قدرتها على تحقيق أثر ملموس على أرض الواقع، كما يعكس هذا الوضع محدودية التنسيق بين الأطر القانونية والتشريعية والسياسات التنفيذية مما يجعل الالتزام بمبادئ التربية الدامجة رهينا بالاجتهادات الفردية للمديرين والأطر التربوية بدلا من أن يكون واجبا قانونيا ملزما.

وفي المقابل تشير التجارب الدولية في بعض الدول مثل كندا وفنلندا والسويد إلى أن تحقيق التربية الدامجة الفعالة يتطلب اعتماد سياسات عمومية مندمجة طويلة الأمد مدعومة بإطار قانوني صارم يشترط احترام حقوق المتعلمين ويحدد مسؤوليات المؤسسات التعليمية والفاعلين التربويين بدقة، كما تقوم هذه الدول على تخصيص ميزانيات مستقرة وكافية لدعم البرامج سواء فيما يتعلق بالموارد البشرية أو التجهيزات المدرسية والوسائل التعليمية وهو ما يضمن استدامة المشاريع وتحقيق نتائج ملموسة على المدى الطويل. وتعتمد هذه النماذج أيضا على مؤشرات دقيقة لتقييم أثر السياسات التعليمية وإعداد تقارير دورية تمكن من تعديل البرامج وتصحيح الاختلالات في الوقت المناسب مع ربط التمويل والاعتماد بالنتائج المحققة وهو ما يخلق حافزا للتنفيذ الفعلي وتحقيق التكافؤ بين المؤسسات التعليمية. ويظهر من خلال المقارنة أن الفرق الأساسي بين التجربة المغربية والنماذج الدولية الناجحة يكمن في قدرة الدول الأخرى على دمج البعد القانوني والحقوقي مع البعد المؤسسي والمالي؛ بحيث تصبح السياسات التعليمية ملزمة ومراقبة ومقيمة بشكل دوري، مع وجود آليات مساءلة واضحة وهو ما يضمن انسجام البرامج التعليمية مع المبادئ الحقوقية وفعالية الدمج المدرسي، كما أن هذه التجارب تبرز أهمية اعتماد مقاربة شمولية تربط بين الدولة والمؤسسات التعليمية، والأطر التربوية، والأسرة والمجتمع المدني لضمان مشاركة جميع الأطراف في تصميم وتنفيذ ومتابعة برامج التربية الدامجة بما يحقق تكافؤ الفرص ويحد من الممارسات التمييزية.

وفي السياق المغربي يمكن استخلاص مجموعة من الدروس الأساسية من هذه التجارب أهمها ضرورة تطوير إطار قانوني شامل ومتكامل يحدد بدقة الحقوق والالتزامات المرتبطة بالتربية الدامجة وإقرار آليات للرقابة والتقييم مع ربط التمويل والموارد بالنتائج الفعلية، كما يتطلب الأمر تعزيز قدرات الفاعلين التربويين عبر برامج تكوين مستمر ومتخصص وتطوير البنية التحتية للمدارس وتجهيزها بالوسائل الديداكتيكية الضرورية لدعم المتعلمين إلى جانب اعتماد مقاربة تشاركية تضم الأسرة والمجتمع المدني في متابعة تنفيذ السياسات وتقييم أثرها على المتعلمين. وبهذا المعنى يصبح تحليل السياسات المغربية والدولية أكثر من مجرد مقارنة وصفية بل أداة استراتيجية لتحديد مواطن القوة والضعف في السياسات العمومية ولصياغة توصيات قابلة للتطبيق لضمان استدامة التربية الدامجة في المغرب وتحقيق العدالة التعليمية والمساواة الفعلية بين جميع المتعلمين، فالنجاح في هذا المجال لا يتحقق بمجرد الإعلان عن المبادئ أو اعتماد برامج مؤقتة، بل يتطلب إرادة سياسية قوية وإطار قانوني ملزم وموارد مؤسسية وبشرية كافية وآليات مراقبة وتقييم فعالة فضلا عن مقاربة تشاركية شمولية تضمن مشاركة جميع الأطراف المعنية في عملية التعليم الدمج الفعلي.

ثالثا: تقييم اثر السياسات على التحصيل والاندماج الاجتماعي

يمثل تقييم أثر السياسات العمومية أداة أساسية لفهم مدى فعالية البرامج التعليمية في تحقيق أهدافها وخاصة في مجال التربية الدامجة؛ حيث يرتبط نجاح هذه البرامج بتحقيق مبدأ المساواة في التعليم وضمان الاندماج الاجتماعي للمتعلمين من جميع الفئات. وتشير الدراسات القانونية والتربوية إلى أن ضعف آليات التتبع والتقييم يظل من أبرز العوائق التي تحد من قدرة السياسات العمومية على إحداث تأثير ملموس في التحصيل الدراسي والاندماج الاجتماعي وهو ما يجعل من تقييم هذه السياسات شرطا ضروريا لضمان فعاليتها واستدامتها، ففي السياق المغربي على الرغم من تبني مجموعة من البرامج والسياسات الداعمة للتربية الدامجة، يلاحظ أن ضعف التتبع المستمر للنتائج وتقييمها بشكل منهجي أدى إلى تفاوت كبير في جودة التنفيذ بين المؤسسات التعليمية وضعف في قياس مدى استفادة المتعلمين من الدعم الفردي والخدمات المساندة، فغياب مؤشرات موضوعية ودورية لتقييم أثر السياسات يجعل عملية اتخاذ القرار غير مستندة إلى بيانات دقيقة ويحد من قدرة الدولة على تعديل البرامج أو تصحيح الاختلالات في الوقت المناسب، كما يؤدي هذا الضعف في التقييم إلى استمرار بعض الممارسات الإقصائية غير المباشرة مثل توجيه الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة نحو مسارات تعليمية أقل تطورا أو إقصاؤهم من بعض الأنشطة المدرسية، مما يقلل من فرصهم في الاستفادة الكاملة من برامج الدمج المدرسي.

ويترتب عن ذلك أثر مباشر على التحصيل الدراسي للمتعلمين حيث تشير الدراسات إلى أن التفاوت في تفعيل البرامج بين المؤسسات التعليمية يخلق فجوات في مستويات التحصيل بين المتعلمين ويحد من قدرة المدرسة على توفير بيئة تعليمية متكاملة ومتوازنة، كما ينعكس ضعف التتبع والتقييم على الاندماج الاجتماعي إذ يؤدي إلى شعور بعض المتعلمين بالإقصاء وعدم الاعتراف بحقوقهم ويقلل من فرص تفاعلهم مع أقرانهم ضمن أنشطة مدرسية واجتماعية مشتركة وهو ما يهدد الهدف الأساسي من التربية الدامجة في تعزيز المشاركة الاجتماعية وتفكيك الحواجز التمييزية داخل المدرسة والمجتمع.

وعلى المستوى القانوني يبرز أن غياب آليات تقييم دقيقة يرتبط مباشرة بضعف الإلزام القانوني للسياسات العمومية، فالمؤسسات التعليمية والفاعلون التربويون غالبا ما يكونون مقيدين بتوصيات أو برامج غير ملزمة لا توفر قاعدة قانونية واضحة تربط بين الالتزام بالسياسة والنتيجة المرجوة. وهذا يوضح أن تقييم أثر السياسات ليس مجرد أداة علمية أو إدارية بل هو ضرورة قانونية لضمان فعالية الالتزامات المنصوص عليها وربط المسؤولية بالنتائج مما يعزز محاسبة الدولة والمؤسسات على احترام حقوق المتعلمين.

أما على المستوى الدولي فقد أظهرت التجارب في دول مثل كندا وفنلندا والسويد أن اعتماد مؤشرات تقييم دقيقة وملزمة مرتبطة بالتمويل والاعتماد المؤسساتي يعزز فعالية السياسات العمومية في التربية الدامجة، فهذه الدول تعتمد على مؤشرات كمية ونوعية لتقييم مدى استفادة المتعلمين من الدعم الفردي ومدى تحسين مستويات التحصيل الدراسي وقدرة البرامج على تعزيز الاندماج الاجتماعي، كما تشمل هذه الآليات إعداد تقارير دورية وتحليل البيانات بشكل منهجي وتطوير برامج تصحيحية عند الحاجة مع ربط الموارد والتمويل بالنتائج المحققة وهو ما يضمن الاستدامة ويعزز القدرة على تنفيذ السياسات بشكل متكامل ومتجانس. وبناء على ذلك يتضح أن تعزيز أثر السياسات العمومية في التعليم الدامج يتطلب تبني مقاربة شمولية تشمل عدة عناصر مترابطة، أولها تطوير آليات قانونية وإدارية واضحة لتتبع وتقييم البرامج مع تحديد مؤشرات دقيقة وموضوعية للنجاح، ثانيا ربط التقييم بالمساءلة بحيث تكون المؤسسات التعليمية والفاعلون التربويون ملزمين قانونيا بتحقيق أهداف الدمج المدرسي ويتم محاسبتهم عند إخفاقهم في تطبيق السياسات. ثالثا استخدام نتائج التقييم لتوجيه الموارد وتحسين الممارسات البيداغوجية وتطوير البرامج لتتناسب مع الاحتياجات الفعلية للمتعلمين بما يعزز فرص التحصيل والاندماج الاجتماعي، كما تبرز ضرورة تكامل التقييم مع التخطيط الاستراتيجي للسياسات التعليمية؛ بحيث يتم تحليل البيانات المستخلصة من عمليات التقييم واستخدامها لتصميم برامج جديدة وضمان الاستدامة وتحقيق تأثير طويل المدى على مستوى المدرسة والمجتمع. ويجب أن يشمل هذا التكامل جميع الفاعلين من وزارة التربية الوطنية إلى المدارس والأطر التربوية والأسرة والمجتمع المدني لضمان فهم النتائج وتطبيقها بشكل فعلي على أرض الواقع. وبذلك يصبح تقييم أثر السياسات العمومية في التربية الدامجة أداة استراتيجية لتحقيق المساواة الفعلية في التعليم وضمان دمج المتعلمين على نحو شامل ومستدام، فهو لا يقتصر على قياس النتائج بل يمثل حلقة مركزية تربط بين القانون والسياسة والممارسة التعليمية والموارد المؤسسية بما يحقق العدالة التعليمية ويضمن حق جميع المتعلمين في بيئة مدرسية دامجة ومتكاملة.

رابعا: التحديات والفرص في تطبيق السياسات العمومية

تشكل السياسات العمومية في مجال التربية الدامجة إطارا استراتيجيا لضمان تحقيق مبدأ المساواة والعدالة التعليمية، غير أن تطبيق هذه السياسات يواجه مجموعة من التحديات البنيوية والتنظيمية التي تعيق تحقيق أهدافها المنشودة، وأولى هذه التحديات تتمثل في محدودية الموارد المادية والبشرية المخصصة لدعم برامج الدمج المدرسي؛ حيث تعاني العديد من المؤسسات التعليمية من نقص في التجهيزات الضرورية وعدم كفاية الفضاءات المدرسية الملائمة لاستقبال المتعلمين ذوي الاحتياجات الخاصة، كما يظهر تأثير محدودية الموارد في نقص الدعم الديداكتيكي والتكنولوجي مما يقلل من قدرة المعلمين على تقديم تعليم دامج يراعي التنوع في القدرات والاحتياجات التعليمية.

ثانيا يشكل ضعف التكوين المتخصص للأطر التربوية والإدارية تحديا كبيرا أمام تفعيل التربية الدامجة، إذ يتطلب التعليم الشامل مهارات بيداغوجية وتقنيات تعليمية متقدمة تمكن المعلمين من التعامل مع التنوع التعليمي وتقديم الدعم الفردي للمتعلمين ذوي الاحتياجات الخاصة. ويظهر ضعف التكوين ليس فقط على مستوى الجانب الأكاديمي والتربوي بل يمتد إلى مستوى الوعي القانوني بحقوق المتعلمين وهو ما يحد من قدرة الفاعلين التربويين على تفعيل السياسات العمومية بشكل كامل وفعال.

ثالثا تتجلى التحديات القانونية والتنظيمية في غياب آليات متابعة وتقييم دقيقة وملزمة؛ حيث يظل التتبع الجزئي وغير المنتظم لنتائج البرامج عقبة أمام تحسين الأداء وضمان تحقيق أهداف الدمج المدرسي، كما أن ضعف التنسيق بين الجهات المسؤولة عن تنفيذ السياسات سواء على المستوى المركزي أو المحلي يؤدي إلى تفاوت كبير في جودة التعليم الدامج بين المؤسسات ويحد من القدرة على خلق بيئة تعليمية متكاملة ومستدامة. وعلى الرغم من هذه التحديات، تظهر فرص واعدة لتعزيز فعالية السياسات العمومية في التربية الدامجة أهمها تنامي الوعي المجتمعي بأهمية ضمان حق المتعلمين في التعليم الشامل والاعتراف بدور المدرسة كمؤسسة اجتماعية مسؤولة عن دمج جميع الفئات. ويعكس هذا الوعي المجتمعي قدرة الدولة على إشراك الأسرة والمجتمع المدني في دعم برامج الدمج من خلال المبادرات التشاركية والمساهمة في توفير الدعم النفسي والاجتماعي للمتعلمين وتسهيل تنفيذ السياسات على مستوى المدارس.

يمثل الدعم الدولي أحد أبرز الفرص المتاحة لتعزيز فعالية السياسات العمومية، سواء من خلال التمويل المباشر للبرامج التعليمية أو عبر نقل الخبرات والتجارب الناجحة من دول رائدة في مجال التربية الدامجة، كما يوفر التعاون الدولي إطارا لتطوير معايير ومؤشرات تقييم دقيقة تساعد على قياس مدى تحقيق أهداف الدمج المدرسي وتصحيح الاختلالات بشكل منتظم بما يضمن استدامة البرامج وتحقيق تأثير ملموس على التحصيل الدراسي والاندماج الاجتماعي للمتعلمين.

تتيح هذه الفرص إمكانية تبني مقاربة شمولية تربط بين القانون والسياسات العمومية والموارد المؤسسية والتكوين مما يعزز قدرة المؤسسات التعليمية على تقديم تعليم دامج فعال ومستدام، ومن خلال دمج هذه العناصر يمكن تحقيق تكافؤ الفرص لجميع المتعلمين وتجاوز الممارسات التمييزية غير المباشرة التي قد تحد من فعالية برامج الدمج، فضلا عن تطوير بيئة مدرسية تدعم التعلم التشاركي والاندماج الاجتماعي.

خاتمة

يتضح من خلال هذا التحليل أن تطوير السياسات العمومية يشكل شرطا أساسيا لنجاح برامج الدمج المدرسي وتحقيق التربية الدامجة على أرض الواقع، فالسياسات الفعالة ليست مجرد نصوص تنظيمية أو إعلانات مبدئية بل هي أطر استراتيجية متكاملة تربط بين الالتزامات القانونية والتنفيذ المؤسساتي والموارد البشرية والمادية وآليات المتابعة والتقييم، كما أن نجاح هذه السياسات يعتمد على قدرة الدولة على إشراك جميع الفاعلين من مؤسسات تعليمية وأطر تربوية إلى الأسرة والمجتمع المدني مع الاستفادة من الدعم الدولي والخبرات المقارنة لضمان استدامة البرامج وتحقيق أهدافها بفعالية. وبالتالي يشكل الاستثمار في تعزيز الموارد وتطوير التكوين وإرساء آليات مراقبة وتقييم دقيقة وتبني مقاربة تشاركية شمولية المدخل الأساسي لترسيخ العدالة التعليمية والمساواة الفعلية داخل المدارس، فالنجاح في هذا المجال لا يتحقق بمجرد اعتماد سياسات أو برامج بل يتطلب إرادة سياسية قوية، وإطار قانوني ملزم وموارد كافية وآليات متابعة فعالة لضمان دمج جميع المتعلمين في بيئة تعليمية دامجة ومستدامة بما يحقق المساواة ويعزز التنمية الاجتماعية والتعليمية على المدى الطويل.

المراجع

UNESCO (2009). Policy guidelines on inclusion in education. Paris: UNESCO Publishing.

Slee, R (2011). The irregular school: Exclusion, schooling and inclusive education. London: Routledge. 

إرسال تعليق

0 تعليقات

إرسال تعليق (0)
3/related/default