حقوق
الطفل في التعليم داخل المدارس الدامجة: دراسة قانونية تحليلية مقارنة في ضوء التجارب الوطنية والدولية
ملخص
يهدف هذا المقال إلى تحليل حقوق
الطفل في التعليم داخل اطار المدارس الدامجة من منظور قانوني مقارن من خلال دراسة
المرجعيات الدولية والتشريعات الوطنية مع التركيز على التجربة المغربية ومقارنتها
ببعض النماذج الدولية الرائدة وينطلق المقال من فرضية مفادها ان تكريس التعليم
الدامج لا يتحقق فقط عبر النصوص القانونية، بل يظل رهينا بمدى تفعيلها داخل
السياسات العمومية والممارسات التربوية ويخلص المقال الى جملة من النتائج
والتوصيات الرامية إلى تعزيز حماية حقوق الطفل وضمان مصلحته الفضلى داخل المنظومة
التعليمية
الكلمات المفتاحية
حقوق الطفل، التعليم
الدامج، مصلحة الطفل الفضلى، القانون
الدولي، التشريع الوطني.
مقدمة
تعد حقوق الطفل في التعليم من الدعائم الجوهرية التي ترتكز عليها المنظومات التربوية الحديثة باعتبارها مدخلا أساسيا لتحقيق العدالة الاجتماعية والانصاف التربوي وضمان تكافؤ الفرص بين جميع الاطفال دون أي تمييز قائم على الوضع الاجتماعي او الإعاقة أو الجنس أو الانتماء الثقافي، إذ لم يعد التعليم في السياق الحقوقي المعاصر مجرد خدمة اجتماعية تقدمها الدولة وفق منطق الإحسان أو الرعاية بل أصبح حقا قانونيا أصيلا من حقوق الطفل يفرض على الدول التزامات إيجابية تقتضي الحماية والتفعيل والضمان. وقد أسهمت التحولات العميقة التي عرفها مجال حقوق الانسان عموما وحقوق الطفل خصوصا في إعادة بناء التصور القانوني للتعليم؛ حيث انتقل من كونه امتيازا مرتبطا بقدرة الدولة أو الأسرة إلى كونه حقا ملازما لشخصية الطفل لا يقبل الانتقاص أو التمييز وهو ما انعكس بشكل مباشر على السياسات التعليمية الحديثة التي اصبحت مطالبة بتبني مقاربات دامجة تضع الطفل في صلب العملية التعليمية وتراعي تنوع حاجياته واختلاف قدراته. وانطلاقا من هذا التحول المفاهيمي برز التعليم الدامج كخيار استراتيجي ملزم للدول وليس مجرد توجه بيداغوجي ظرفي، إذ يهدف إلى إدماج جميع الاطفال داخل نفس الفضاء المدرسي على قدم المساواة مع احترام خصوصياتهم الفردية وضمان مشاركتهم الكاملة والفعالة في مختلف جوانب الحياة المدرسية، ويقوم هذا النموذج على إزالة الحواجز القانونية والمؤسساتية والثقافية التي تحول دون تمتع الطفل بحقه في التعليم. وفي هذا السياق تكتسي دراسة حقوق الطفل داخل المدارس الدامجة اهمية بالغة خاصة عند مقارنتها بين التجارب الوطنية والدولية لما تتيحه من إمكانية تشخيص مكامن القوة ورصد لأوجه القصور في السياسات العمومية التعليمية واستشراف سبل التطوير بما ينسجم مع مبدأ مصلحة الطفل الفضلى باعتباره معيارا قانونيا موجها لجميع القرارات والتدخلات ذات الصلة بالطفولة والتعليم.
أولا: مفهوم حقوق الطفل في التعليم من منظور قانوني
يرتكز مفهوم حقوق الطفل في التعليم على اعتبار التعليم حقا أساسيا من حقوق الانسان غير قابل للتجزئة او الانتقاص، وهو ما أكدته المواثيق الدولية والتشريعات الوطنية الحديثة التي جعلت من هذا الحق التزاما قانونيا يقع على عاتق الدولة وليس مجرد خيار سياسي أو تربوي فالتعليم لم يعد يختزل في الولوج الشكلي إلى المؤسسة المدرسية، بل امتد ليشمل حق الطفل في تعليم ذي جودة يحترم كرامته الإنسانية ويصون شخصيته ويضمن مشاركته الفعلية داخل مختلف أوجه الحياة المدرسية بما يعزز شعوره بالانتماء والاعتراف ،(United Nations 1989)ويقتضي هذا التصور الحقوقي الموسع أن تتحمل الدولة التزاما قانونيا إيجابيا يتمثل في توفير تعليم ملائم ومتاح لجميع الاطفال دون تمييز مع اتخاذ التدابير التشريعية والإدارية والبيداغوجية الكفيلة بمراعاة حاجياتهم المختلفة وضمان المساواة والإنصاف وتكافؤ الفرص فيما بينهم، وهو ما يجعل من التعليم الدامج الآلية الأكثر انسجاما مع هذا الالتزام، إذ يقوم على مبدأ تكييف المناهج وطرائق التدريس ووسائل التقويم مع اختلاف قدرات المتعلمين وخصوصياتهم الفردية بما يحد من مظاهر الإقصاء والتمييز داخل المنظومة التعليمية، كما يؤكد هذا المنظور أن حقوق الطفل التعليمية لا يمكن فصلها عن باقي حقوقه الأساسية الأخرى كالحق في الحماية من جميع أشكال الإهمال والتمييز والحق في المشاركة الفعلية في اتخاذ القرارات التي تمسه والحق في النماء المتكامل وهو ما يجعل المدرسة الدامجة فضاء قانونيا وتربويا محوريا لترسيخ قيم حقوق الانسان منذ الطفولة وبناء شخصية مواطنة واعية بحقوقها وواجباتها وقادرة على الاندماج الإيجابي داخل المجتمع.
ثانيا: أطر حماية حقوق الطفل في التعليم على المستوى
الدولي
تشكل الاتفاقيات
الدولية المرجعية الاساسية التي تستند اليها حماية حقوق الطفل في التعليم على
الصعيد الدولي، إذ اسهمت بشكل حاسم في بلورة التزامات قانونية واضحة تقع على عاتق
الدول في مجال ضمان هذا الحق وفي مقدمة هذه المرجعيات تأتي اتفاقية حقوق الطفل
لسنة 1989 التي نصت بشكل صريح في مادتها الثامنة والعشرين على حق جميع الاطفال في
التعليم دون اي تمييز واكدت على ضرورة اتخاذ الدول الاطراف لمختلف التدابير
التشريعية والادارية والمالية الكفيلة بضمان هذا الحق على اساس تكافؤ الفرص بما
يعكس الطابع الالزامي لهذا الالتزام القانوني .(United Nations 1989)
ولم تكتف الاتفاقية بتكريس الحق في التعليم من حيث المبدأ بل ذهبت الى ابعد من ذلك من خلال ترسيخ مبدأ مصلحة الطفل الفضلى باعتباره معيارا توجيهيا ملزما يتعين اعتماده في وضع وتنفيذ السياسات التعليمية، وهو ما يمنح هذا المبدأ قوة قانونية عملية تتجاوز البعد الاخلاقي او التوجيهي الى مستوى الالزام التشريعي والمؤسساتي بما يفرض على الدول مراجعة اختياراتها التربوية في ضوء هذا المبدأ، إلى جانب ذلك اسهم إعلان سلامنكا لسنة 1994 في ترسيخ مفهوم التربية الدامجة باعتباره الاطار العملي الاكثر ملاءمة لضمان حقوق الاطفال ذوي الاحتياجات الخاصة داخل المدارس العادية حيث دعا الى اعتماد مدارس قادرة على استيعاب مختلف اشكال التنوع البشري من خلال تكييف البنيات التحتية والمناهج وطرائق التدريس واعتماد مقاربات تربوية مرنة تستجيب لحاجيات المتعلمين المختلفة .(UNESCO 1994) غير أن تفعيل هذه المرجعيات الدولية على ارض الواقع يظل متفاوتا بين الدول تبعا لاختلاف السياقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وهو ما يفرز فجوة واضحة بين الالتزام القانوني الدولي من جهة وواقع الممارسة التربوية والسياسات العمومية الوطنية من جهة اخرى الامر الذي يطرح اشكالية فعالية القانون الدولي في ضمان الحقوق التعليمية للطفل داخل المنظومات التربوية المختلفة
ثالثا: التجارب الوطنية في المغرب ودول أخرى
عرف المغرب خلال العقود الاخيرة تطورا نسبيا على المستوى التشريعي والمؤسساتي في مجال حماية حقوق الطفل في التعليم من خلال اعتماد سياسات عمومية ترمي إلى ترسيخ مبادئ التربية الدامجة خاصة لفائدة الاطفال في وضعية إعاقة؛ حيث تم اطلاق عدد من البرامج الوطنية الرامية إلى إدماجهم داخل المدارس العمومية مع اتخاذ تدابير عملية همت تهيئة بعض الأقسام الدراسية والشروع في تكوين الأطر التربوية العاملة في هذا المجال بما يعكس توجها رسميا نحو الاعتراف بحق هؤلاء الاطفال في التعليم داخل الوسط المدرسي العادي، غير أن هذه المجهودات تظل محدودة من حيث الأثر العملي في ظل استمرار إكراهات بنيوية تعيق التفعيل الكامل لمبادئ التربية الدامجة من بينها الخصاص في الموارد البشرية المتخصصة وقلة الوسائل المادية والتجهيزات الداعمة، إلى جانب التفاوتات المجالية بين الوسطين الحضري والقروي وهو ما ينعكس سلبا على مبدأ تكافؤ الفرص ويحد من فعالية السياسات الدامجة وقدرتها على ضمان تمتع جميع الاطفال بحقهم في التعليم على قدم المساواة.
وعلى المستوى
الدولي تبرز تجارب بعض الدول مثل كندا وفنلندا كنماذج رائدة في مجال التربية
الدامجة؛ حيث تقوم المدرسة الدامجة فيها على فلسفة قانونية وتربوية تعتبر الاختلاف
قيمة مضافة داخل الفضاء المدرسي وتقوم على توفير دعم فردي داخل القسم العادي وفق
حاجيات كل متعلم ويعزى هذا التقدم الى التكامل القائم بين السياسات الاجتماعية
والتعليمية والاستثمار المستمر في تكوين المدرسين ودعم البحث التربوي بما يسهم في
تطوير الممارسات التعليمية الدامجة وتحسين جودة التعلم
(Lynch and Lodge .(2002.
رابعا: التحديات القانونية والعملية
رغم ما عرفه
الإطار القانوني الوطني والدولي من تطور ملحوظ في مجال تكريس حقوق الطفل في
التعليم الدامج ورغم الاعتراف الصريح بهذا الحق في عدد من المواثيق الدولية
والتشريعات الوطنية فإن الانتقال من مستوى الإقرار القانوني الى مستوى التفعيل
العملي يظل محفوفا بجملة من التحديات البنيوية التي تعيق التمتع الفعلي للطفل بحقه
في تعليم دامج ومنصف، ويكشف هذا الوضع عن وجود فجوة واضحة بين النص القانوني من جهة
والواقع التربوي والمؤسساتي من جهة اخرى.
ومن بين أبرز هذه التحديات ضعف تفعيل النصوص القانونية ذات الصلة بحقوق الطفل في التعليم حيث غالبا ما تظل هذه النصوص حبيسة الإطار التشريعي دون أن تترجم الى سياسات عمومية متكاملة او برامج تنفيذية ملزمة وهو ما يعكس قصورا في إرادة التنزيل وفي آليات الحكامة التربوية كما يلاحظ غياب او محدودية آليات فعالة للتتبع والمساءلة تضمن احترام الالتزامات القانونية الملقاة على عاتق الدولة والمؤسسات التعليمية وهو ما يؤدي الى تراجع قوة القاعدة القانونية وتحويلها من اداة للالزام الى مجرد اعلان نوايا. ويتعزز هذا القصور بضعف التنسيق بين مختلف القطاعات المتدخلة في مجال الطفولة والتعليم كقطاع التربية وقطاع الصحة وقطاع الشؤون الاجتماعية مما يؤدي الى تجزيء التدخلات وغياب مقاربة شمولية قادرة على الاستجابة لمختلف حاجيات الاطفال داخل المدرسة الدامجة اذ ان حماية حقوق الطفل في التعليم لا يمكن اختزالها في البعد التربوي الصرف بل تقتضي تكاملا بين الابعاد القانونية والاجتماعية والنفسية، إلى جانب الاكراهات القانونية والمؤسساتية تبرز تحديات ذات طبيعة اجتماعية وثقافية تتمثل في استمرار بعض التمثلات السلبية حول الاعاقة والاختلاف داخل المجتمع بصفة عامة وداخل الفضاء المدرسي بصفة خاصة؛ حيث لا تزال بعض التصورات التقليدية تنظر الى الطفل في وضعية اعاقة باعتباره عبئا او حالة استثنائية تتطلب فصلا خاصا وهو ما يتعارض مع فلسفة التعليم الدامج القائمة على اعتبار الاختلاف مكونا طبيعيا من مكونات التنوع البشري وتشكل هذه التمثلات عائقا حقيقيا امام اندماج الاطفال داخل المدرسة العادية وتؤثر سلبا على شعورهم بالانتماء والقبول، كما تسهم هذه التصورات في تكريس ممارسات تمييزية غير مباشرة داخل المؤسسات التعليمية سواء من خلال ضعف التكيف البيداغوجي او من خلال غياب توقعات تعليمية ايجابية تجاه الاطفال في وضعية اعاقة مما يتنافى مع مبدأ المساواة والانصاف الذي يشكل احد الاسس القانونية للتعليم الدامج.
ومن جهة اخرى يواجه المدرسون باعتبارهم الفاعلين الاساسيين في تنزيل التعليم الدامج تحديات مهنية كبيرة تتمثل اساسا في غياب التكوين المتخصص الذي يؤهلهم للتعامل مع التنوع داخل الفصول الدراسية حيث ان اغلب برامج التكوين الاساسي والمستمر لا تزال تركز على النموذج التقليدي للتعليم ولا تمنح الحيز الكافي لمقاربات التربية الدامجة واستراتيجيات التدريس التفاضلي والتقويم التكويني، ويؤدي هذا النقص في التكوين الى شعور المدرسين بعدم الجاهزية وبالعجز المهني امام تنوع الحاجيات التعليمية داخل القسم وهو ما ينعكس على جودة الممارسات البيداغوجية ويحد من قدرتهم على تكييف المناهج وطرائق التدريس ووسائل التقويم مع قدرات المتعلمين المختلفة كما ان غياب الدعم المهني المستمر والمواكبة التربوية المتخصصة يزيد من تعقيد هذه الوضعية ويجعل المدرس في مواجهة مباشرة مع تحديات تفوق في كثير من الاحيان امكاناته الفردية.
ولا يمكن فصل هذه الصعوبات عن الاكراهات المرتبطة بضعف الموارد المادية والتجهيزات الداعمة داخل المؤسسات التعليمية حيث تعاني العديد من المدارس من غياب الوسائل التعليمية الملائمة والبنيات التحتية المهيأة لاستقبال جميع الاطفال وهو ما يحد من امكانات تطبيق مبادئ التعليم الدامج على ارض الواقع ويحول دون توفير بيئة تعليمية دامجة ومحفزة، كما تطرح كثافة الفصول الدراسية تحديا اضافيا امام تنزيل التعليم الدامج اذ يصعب على المدرس في ظل الاكتظاظ توفير دعم فردي للمتعلمين او تتبع تطورهم الدراسي بشكل دقيق مما يؤثر سلبا على جودة التعلم ويقوض مبدأ تكافؤ الفرص. ويضاف الى ما سبق ضعف اشراك الاسرة في العملية التعليمية حيث لا تزال العلاقة بين المدرسة واسرة الطفل في وضعية اعاقة تتسم في كثير من الاحيان بطابع مناسباتي او شكلي في غياب شراكة حقيقية قائمة على التواصل والتكامل وهو ما يحد من فعالية الجهود المبذولة داخل المدرسة ويؤثر على استمرارية الدعم التربوي خارجها، وتبرز من خلال هذه التحديات ضرورة الانتقال من مقاربة قانونية شكلية لحقوق الطفل في التعليم الدامج الى مقاربة عملية تركز على تفعيل النصوص وتوفير الشروط المؤسساتية والبشرية والثقافية اللازمة لضمان هذا الحق بشكل فعلي اذ ان قوة الحق لا تقاس فقط بمدى الاعتراف به قانونيا بل بمدى تمتع اصحابه به في الواقع.
وعليه فان
معالجة هذه التحديات تقتضي اعتماد رؤية شمولية تعتبر التعليم الدامج مشروعا
مجتمعيا متكاملا وليس مجرد اصلاح بيداغوجي جزئي وتستند الى تعزيز الحكامة التربوية
وتطوير آليات التتبع والمساءلة وتكثيف برامج التكوين والدعم لفائدة المدرسين الى
جانب العمل على تغيير التمثلات الاجتماعية السلبية ونشر ثقافة حقوق الطفل داخل
المجتمع المدرسي بما يضمن انتقالا فعليا من منطق الاقصاء الى منطق الادماج
والمساواة.
خامسا: التوصيات الرامية إلى تعزيز حماية حقوق الطفل في
المدارس الدامجة
إن تعزيز حماية
حقوق الطفل في التعليم داخل المدارس الدامجة يقتضي الانتقال من منطق الاعتراف
القانوني المجرد الى منطق التفعيل العملي القائم على سياسات عمومية مندمجة وتدخلات
مؤسساتية متكاملة تراعي البعد القانوني والتربوي والاجتماعي في آن واحد وفي هذا
الاطار تبرز مجموعة من التوصيات الاساسية التي من شانها الارتقاء بفعالية التعليم
الدامج وضمان تمتع الطفل بحقه في تعليم منصف وذي جودة.
وتأتي في مقدمة هذه التوصيات ضرورة مراجعة التشريعات الوطنية ذات الصلة بحقوق الطفل في التعليم بما يضمن انسجامها التام مع الالتزامات الدولية التي صادقت عليها الدولة ولا سيما اتفاقية حقوق الطفل واعلان سلامنكا اذ ان بعض النصوص القانونية الوطنية لا تزال تتسم بطابع عام او احالي يفتقر الى الدقة التنفيذية مما يحد من قابليتها للتطبيق العملي ويستوجب الامر العمل على سن نصوص تنظيمية واضحة تحدد مسؤوليات مختلف الفاعلين وتقر جزاءات في حال الاخلال بالالتزامات القانونية المرتبطة بالتعليم الدامج، كما تفرض حماية حقوق الطفل في المدارس الدامجة تعزيز اليات المراقبة والتقييم باعتبارها ادوات اساسية لضمان احترام النصوص القانونية وتحقيق الفعالية المنشودة للسياسات العمومية اذ لا يمكن الحديث عن حق فعلي دون وجود اجهزة مستقلة او وحدات متخصصة تتولى تتبع مدى التزام المؤسسات التعليمية بمبادئ الدمج ورصد الاختلالات وتقديم تقارير دورية تسهم في تصحيح المسار وتعزيز المساءلة ويقتضي ذلك ايضا تطوير مؤشرات دقيقة لقياس جودة التعليم الدامج ومدى استفادة الاطفال منه.
ويعد الاستثمار في تكوين الاطر التربوية احد الركائز الجوهرية لنجاح التعليم الدامج اذ ان المدرس يشكل الحلقة المركزية في تنزيل هذا النموذج داخل الفصول الدراسية ومن ثم فان تعزيز حقوق الطفل يمر حتما عبر اعادة النظر في برامج التكوين الاساسي والمستمر بما يضمن ادماج مقاربات التربية الدامجة واستراتيجيات التدريس التفاضلي والتقويم التكويني كما ينبغي توفير تكوين متخصص لفائدة الاطر التربوية والادارية يمكنهم من فهم البعد الحقوقي للتعليم الدامج والتعامل المهني مع التنوع داخل الفصل الدراسي، ولا يقل تاهيل البنيات التحتية اهمية عن باقي التوصيات اذ ان الحق في التعليم الدامج يظل منقوصا في غياب فضاءات مدرسية مهيأة تستجيب لمختلف حاجيات الاطفال بما في ذلك الاطفال في وضعية اعاقة ويتطلب ذلك تهيئة الولوجيات وتوفير التجهيزات الداعمة والوسائل التعليمية الملائمة بما يضمن بيئة مدرسية دامجة تحترم كرامة الطفل وتسهل مشاركته الفعلية في الانشطة التعليمية، كما تبرز ضرورة تعزيز الشراكة بين المدرسة والاسرة والمجتمع المدني باعتبارها شرطا اساسيا لضمان استمرارية الدعم التربوي والنفسي والاجتماعي للطفل اذ ان التعليم الدامج لا يمكن ان ينجح في غياب تعاون وثيق بين مختلف الفاعلين المعنيين بالطفولة ويتعين في هذا السياق تطوير اليات تواصل منتظمة بين المدرسة واسرة الطفل واشراك جمعيات المجتمع المدني في دعم البرامج الدامجة وتقديم خدمات موازية تسهم في تسهيل اندماج الاطفال داخل الوسط المدرسي. ويشكل نشر ثقافة حقوق الطفل داخل الفضاء المدرسي توصية محورية تهدف الى تغيير التمثلات السلبية حول الاعاقة والاختلاف وترسيخ قيم المساواة والانصاف منذ المراحل الاولى للتنشئة المدرسية اذ لا يكفي توافر النصوص القانونية والبنيات التنظيمية ما لم تصاحبها جهود توعوية وتربوية تسهم في بناء وعي جماعي بحقوق الطفل وتكرس المدرسة باعتبارها فضاء لتعلم قيم حقوق الانسان وممارستها بشكل يومي.
وفي هذا الاطار ينبغي ادماج مبادئ حقوق الطفل في المناهج الدراسية والانشطة الموازية وتكوين الاطر التربوية على تبني مقاربات تربوية دامجة تقوم على الاحترام المتبادل وقبول الاختلاف كما يتعين العمل على تحسيس المتعلمين واولياء امورهم باهمية التعليم الدامج ودوره في بناء مجتمع متماسك يقوم على التضامن والاعتراف المتبادل، وتبرز من خلال هذه التوصيات الحاجة الى اعتماد مقاربة شمولية ومندمجة تعتبر التعليم الدامج مشروعا مجتمعيا يتجاوز حدود الاصلاح البيداغوجي ليشمل اعادة بناء السياسات العمومية على اساس حقوقي واضح اذ ان حماية حقوق الطفل في المدارس الدامجة ليست مسؤولية قطاع واحد بل التزام جماعي يستدعي تنسيقا فعالا بين مختلف المتدخلين على المستويين الوطني والمحلي.
وعليه فان تفعيل
هذه التوصيات من شانه ان يسهم في تقليص الفجوة بين النص القانوني وواقع الممارسة
التربوية وتعزيز فعالية التعليم الدامج بما يضمن تمتع الطفل بحقه في تعليم يحترم
كرامته ويعزز مشاركته وينمي قدراته على قدم المساواة مع باقي الاطفال ويجعل من
المدرسة فضاء حقيقيا لتحقيق العدالة التربوية والانصاف الاجتماعي.
خاتمة
يخلص هذا المقال إلى أن حماية حقوق الطفل في التعليم داخل المدارس الدامجة تمثل رهانا قانونيا وتربويا اساسيا لتحقيق العدالة الاجتماعية والانصاف التربوي اذ يتجاوز هذا الحق بعده الشكلي ليصبح مدخلا فعليا لضمان المساواة وتكافؤ الفرص بين جميع الاطفال دون تمييز. وتبرز المقارنة بين التجارب الوطنية والدولية ان فعالية النص القانوني تظل مرتبطة بمدى تفعيله داخل السياسات العمومية وقدرته على الانتقال من مستوى الالتزام المعياري الى مستوى الممارسة التربوية اليومية، كما تؤكد نتائج التحليل ان المدرسة الدامجة لا تختزل في كونها فضاء لنقل المعارف فحسب بل تشكل اطارا مؤسساتيا لبناء شخصية الطفل وتنمية وعيه الحقوقي وترسيخ قيم المساواة وقبول الاختلاف واحترام حقوق الانسان منذ الطفولة. ومن ثم فان تحقيق تعليم دامج فعلي يقتضي ارادة سياسية واضحة ومقاربة شمولية تدمج البعد القانوني بالبعدين التربوي والاجتماعي بما يضمن حماية فعلية ومستدامة لحقوق الطفل داخل المنظومة التعليمية.
لائحة المراجع
United Nations. (1989). Convention on the Rights of the Child.
United Nations.
UNESCO. (1994). The Salamanca Statement and Framework for Action
on Special Needs Education. UNESCO.
Lynch, K., Lodge, A. (2002). Equality
and power in schools: Redistribution, recognition, and representation. Routledge






