برامج التوجيه الاجتماعي للطلاب ذوي صعوبات التعلم وتقييم الأثر المجتمعي

التربية الدامجة والتقنيات الذكية
0

برامج التوجيه الاجتماعي للطلاب ذوي صعوبات التعلم وتقييم الأثر المجتمعي

مقدمة

تشكل برامج التوجيه الاجتماعي إحدى الآليات التربوية والاجتماعية التي تكتسي أهمية متزايدة في دعم الطلاب ذوي صعوبات التعلم داخل المنظومة التعليمية المعاصرة، فهذه الفئة تواجه تحديات مركبة لا تقتصر على الجوانب المعرفية والتحصيلية بل تمتد إلى الأبعاد النفسية والاجتماعية التي تؤثر بشكل مباشر في مسارها الدراسي وحضورها داخل الفضاء المدرسي. وانطلاقا من المنظور السوسيولوجي الذي يربط بين النجاح الدراسي والاندماج الاجتماعي يتضح أن صعوبات التعلم لا يمكن فهمها بمعزل عن السياق الاجتماعي الذي يتحرك فيه المتعلم؛ حيث تلعب العلاقات الاجتماعية والتمثلات الثقافية دورا حاسما في تشكيل تجربته التعليمية.

وفي هذا الإطار تتجاوز برامج التوجيه الاجتماعي البعد التعليمي الضيق الذي يركز على معالجة الصعوبات الأكاديمية فقط لتسهم في إعادة إدماج الطلاب داخل النسيج الاجتماعي المدرسي والمجتمعي، فهي تسعى إلى تمكينهم من اكتساب مهارات التفاعل الاجتماعي وبناء علاقات إيجابية قائمة على الاحترام المتبادل وقبول الاختلاف، كما تعمل على الحد من مظاهر العزلة والانطواء التي غالبا ما تصاحب صعوبات التعلم نتيجة الإقصاء الرمزي أو ضعف الاعتراف الاجتماعي، وعليه تلعب برامج التوجيه الاجتماعي دورا محوريا في تحقيق الإدماج الاجتماعي المستدام باعتبارها أداة لإعادة التوازن بين المتعلم وبيئته الاجتماعية، فمن خلال الدعم النفسي والاجتماعي والمواكبة التربوية المنتظمة تسهم هذه البرامج في تعزيز شعور الانتماء وبناء هوية إيجابية لدى الطلاب وهو ما ينعكس إيجابا على دافعيتهم للتعلم وعلى مشاركتهم داخل الحياة المدرسية، ومن ثم تشكل هذه البرامج مدخلا أساسيا لتكريس التربية الدامجة كخيار مجتمعي يعكس قيم العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص.

أولا: أهداف برامج التوجيه الاجتماعي

تنطلق برامج التوجيه الاجتماعي من وعي عميق بطبيعة الرهانات الاجتماعية والتربوية المرتبطة بصعوبات التعلم، باعتبارها ظاهرة مركبة لا تقتصر على الجانب المعرفي أو الأكاديمي فحسب، بل تمتد إلى الأبعاد النفسية والاجتماعية والثقافية للمتعلم، وفي هذا الإطار تسعى هذه البرامج إلى تحقيق مجموعة من الأهداف المتكاملة التي تتجاوز المقاربات التقليدية القائمة على التدخل الظرفي أو معالجة الأعراض السطحية للمشكلات السلوكية والتواصلية، فالتوجيه الاجتماعي يقوم على تصور شامل للمتعلمين بوصفهم فاعلين اجتماعيين يتأثرون بسياقاتهم المدرسية والأسرية والمجتمعية ويتفاعلون معها بشكل مستمر.

ويعد تنمية مهارات التواصل اللفظي وغير اللفظي من أبرز الأهداف المركزية لبرامج التوجيه الاجتماعي نظرا لما يشكله التواصل من ركيزة أساسية لبناء العلاقات الاجتماعية وتحقيق الاندماج داخل الجماعة المدرسية، فضعف القدرة على التعبير أو فهم الإشارات الاجتماعية غالبا ما يؤدي إلى سوء الفهم وسوء التأويل وهو ما ينعكس في سلوكيات انسحابية أو عدوانية ويؤدي في كثير من الحالات إلى العزلة الاجتماعية، وتعمل برامج التوجيه الاجتماعي على تزويد الطلاب بآليات عملية للتواصل الفعال من خلال التدريب على التعبير عن المشاعر واحترام أدوار الحوار وفهم لغة الجسد مما يساهم في تحسين جودة التفاعل اليومي داخل الفصل الدراسي وخارجه، كما تهدف هذه البرامج إلى تعزيز الاستقلالية والقدرة على اتخاذ القرار باعتبارهما شرطين أساسيين لبناء شخصية متوازنة وقادرة على التكيف الاجتماعي. ويتم ذلك من خلال تمكين الطلاب من التعبير عن حاجياتهم والدفاع عن حقوقهم داخل الفضاء المدرسي في إطار يحترم القواعد الجماعية ويعزز المسؤولية الفردية ويسهم هذا التمكين في الانتقال من وضعية التبعية والاعتماد الكلي على الغير إلى وضعية الفاعلية الاجتماعية؛ حيث يصبح المتعلم قادرا على المشاركة في اتخاذ القرار المتعلق بمساره الدراسي والاجتماعي.

وتولي برامج التوجيه الاجتماعي اهتماما خاصا بدعم الثقة بالنفس وتقدير الذات لما لهذين البعدين من أثر بالغ في مواجهة الآثار النفسية السلبية المرتبطة بصعوبات التعلم مثل الشعور بالدونية أو الإحباط أو الخوف من الفشل، فالتجارب المدرسية السلبية المتكررة قد تؤدي إلى بناء صورة ذاتية مشوهة لدى المتعلم وهو ما ينعكس سلبا على دافعيته للتعلم وعلى علاقاته الاجتماعية. ومن خلال تدخلات موجهة تعتمد التشجيع والتعزيز الإيجابي تسعى برامج التوجيه الاجتماعي إلى إعادة بناء هذه الصورة الذاتية على أسس واقعية وإيجابية.

ومن منظور سوسيولوجي أوسع تساهم أهداف برامج التوجيه الاجتماعي في إعادة إدماج الطالب داخل شبكات العلاقات الاجتماعية سواء داخل المدرسة أو خارجها مما يحد من مظاهر الإقصاء والتهميش، كما ينعكس تحقيق هذه الأهداف على تحسين المناخ المدرسي العام من خلال ترسيخ قيم التعاون والتضامن وقبول الاختلاف. وبالتالي لا تقتصر أهداف برامج التوجيه الاجتماعي على تحسين وضعية الفرد فحسب بل تمتد لتشمل الجماعة المدرسية ككل باعتبارها فضاء اجتماعيا تتشكل داخله القيم والتمثلات والعلاقات.

ثانيا: تصميم البرامج وأنماطها

يعتمد تصميم برامج التوجيه الاجتماعي على مقاربات بيداغوجية مرنة وشمولية تستجيب للتنوع الكبير في حاجيات الطلاب ذوي صعوبات التعلم سواء من حيث الخصائص النفسية أو الاجتماعية أو الثقافية. فهذه البرامج لا تقوم على نموذج واحد جامد أو وصفات جاهزة بل تنبني على تشخيص دقيق للوضعيات الفردية والجماعية مع مراعاة الفوارق الفردية والسياقات المحلية التي يعيش فيها المتعلمون. ويعكس هذا التوجه فهما عميقا للتعلم باعتباره عملية اجتماعية معقدة تتأثر بعوامل متعددة ومتداخلة.

ويجمع تصميم هذه البرامج بين التوجيه الفردي والعمل الجماعي باعتبارهما نمطين متكاملين للتدخل الاجتماعي التربوي، فالتوجيه الفردي يتيح فهما أعمق للتجارب الشخصية للمتعلمين ويساعد على بناء علاقة ثقة بين الطالب والموجه الاجتماعي مما يمكن من معالجة الإشكالات الخاصة بكل حالة على حدة. في المقابل يسهم العمل الجماعي في تعزيز مهارات التفاعل الاجتماعي وبناء العلاقات داخل الجماعة وتعلم قيم التعاون واحترام الآخر من خلال التجربة المباشرة، كما تستند برامج التوجيه الاجتماعي إلى التفاعل الإيجابي والدعم النفسي والاجتماعي باعتبارهما شرطين أساسيين لبناء تعلم اجتماعي فعال، ويتم ذلك عبر أنشطة تشاركية متنوعة مثل الألعاب التربوية وورشات التعبير والمحاكاة الاجتماعية والمشاريع الجماعية التي تحاكي مواقف واقعية من الحياة اليومية، وتساعد هذه الأنشطة الطلاب على اكتساب مهارات حياتية عملية مثل حل النزاعات والعمل ضمن فريق وضبط الانفعالات وهي مهارات قابلة للتوظيف داخل المدرسة وخارجها.

ويحظى إدماج الأسرة في تصميم وتنفيذ بعض أنماط التوجيه الاجتماعي بأهمية خاصة باعتبارها شريكا أساسيا في دعم المسار الاجتماعي والنفسي للطالب، فالتنسيق بين المدرسة والأسرة يضمن استمرارية التدخلات التوجيهية ويعزز انسجام الرسائل التربوية المقدمة للمتعلمين، كما يساهم إشراك الأسرة في تعزيز وعيها بطبيعة صعوبات التعلم والحد من التمثلات السلبية التي قد تعيق اندماج أبنائها.

ومن خلال هذا التصميم المرن والمتدرج تساهم برامج التوجيه الاجتماعي في بناء مسارات تعلم اجتماعي تراكمية؛ حيث يتم الانتقال تدريجيا من الدعم المكثف إلى الاستقلالية النسبية. ويعكس هذا التدرج فهما سوسيولوجيا للتعلم بوصفه عملية مستمرة تتطورعبر التفاعل مع الآخرين وتتأثر بالسياقات الثقافية والمؤسساتية المحيطة.

ثالثا: تقييم أثر البرامج على الطلاب والمجتمع

أظهرت نتائج عدد كبير من الدراسات التربوية والسوسيولوجية المعاصرة أن برامج التوجيه الاجتماعي تشكل أداة فعالة في تحسين جودة التفاعل الاجتماعي لدى الطلاب ذوي صعوبات التعلم، فهذه البرامج لا تشتغل فقط على تعديل بعض السلوكيات الظاهرة داخل الفضاء المدرسي بل تعمل على إعادة بناء أنماط التفاعل والعلاقات الاجتماعية التي غالبا ما تكون مختلة نتيجة تجارب مدرسية سابقة قائمة على الإقصاء أو الفشل أو سوء الفهم. وتبين المعطيات الميدانية المستخلصة من تطبيق هذه البرامج أن المتعلمين المستفيدين منها يظهرون قدرة أكبر على الاندماج داخل الجماعة الصفية والمشاركة في الأنشطة التربوية سواء داخل الفصل أو في الأنشطة الموازية، كما يلاحظ تطور ملحوظ في قدرتهم على إقامة علاقات اجتماعية أكثر استقرارا وتوازنا مع أقرانهم ومع الأطر التربوية والإدارية.

ويفسر هذا التحسن بكون برامج التوجيه الاجتماعي تتيح للمتعلمين فضاءات آمنة للتعبير عن ذواتهم ومخاوفهم دون خوف من الحكم أو الوصم، وهو ما يساعد على كسر منطق الانسحاب الاجتماعي الذي يميز العديد من الطلاب ذوي صعوبات التعلم، فالسلوك الانسحابي لا يعكس بالضرورة ضعف الرغبة في التفاعل بل غالبا ما يكون نتيجة تراكم خبرات سلبية داخل المدرسة، ومن خلال التدخل المنظم والمستمر تعمل برامج التوجيه الاجتماعي على تفكيك هذه الخبرات السلبية وتعويضها بتجارب تفاعلية إيجابية تعزز الإحساس بالقبول والانتماء.

وعلى المستوى النفسي تساهم برامج التوجيه الاجتماعي بشكل مباشر في تحسين الصحة النفسية للمتعلمين، إذ تشير نتائج التقييمات النفسية المصاحبة لهذه البرامج إلى انخفاض مستويات القلق والتوتر والخوف من الفشل، كما يلاحظ تحسن واضح في التوازن الانفعالي والقدرة على ضبط المشاعر السلبية. ويعد الشعور بالأمان النفسي أحد الشروط الأساسية لأي تعلم فعال، فالمتعلم الذي يشعر بأنه مقبول ومحترم داخل الجماعة المدرسية يكون أكثر استعدادا للمشاركة والتعلم والمبادرة. ومن هذا المنطلق تسهم برامج التوجيه الاجتماعي في تعزيز الدافعية الداخلية للتعلم وتحسين العلاقة بالمدرسة بوصفها فضاء داعما لا مجالا للضغط أو الإقصاء.

ولا يقتصر أثر هذه البرامج على الفرد فقط بل يمتد ليشمل المجتمع المدرسي ككل، إذ يؤدي تحسن التفاعل الاجتماعي لدى الطلاب ذوي صعوبات التعلم إلى إحداث دينامية إيجابية داخل الفصل الدراسي تقوم على التعاون والتكافل وقبول الاختلاف، كما يسهم ذلك في الحد من السلوكيات التمييزية والتنمر المدرسي، ومن خلال التفاعل اليومي تتغير تمثلات باقي المتعلمين تجاه زملائهم ذوي الصعوبات حيث يتم الانتقال من منطق الشفقة أو الإقصاء إلى منطق الاعتراف والمشاركة، وبذلك تتحول المدرسة تدريجيا إلى فضاء اجتماعي أكثر شمولا وإنصافا، كما ينعكس أثر برامج التوجيه الاجتماعي على العلاقات داخل المجتمع المحلي المحيط بالمؤسسة التعليمية، فنجاح هذه البرامج في تحسين اندماج الطلاب يسهم في تغيير الصور النمطية السائدة حول صعوبات التعلم، ويعزز الوعي المجتمعي بكون هذه الصعوبات ليست عائقا نهائيا بل وضعية تربوية تستدعي دعما جماعيا. ومن هذا المنظور يتحول التوجيه الاجتماعي إلى آلية لإعادة بناء الروابط الاجتماعية بين المدرسة والمجتمع، وهو ما يسهم في خلق بيئة اجتماعية داعمة تعزز قيم التضامن والمسؤولية المشتركة.

رابعا: أمثلة ناجحة على المستوى الدولي

تؤكد التجارب الدولية الرائدة في مجال التربية الدامجة أن إدماج برامج التوجيه الاجتماعي ضمن السياسات التعليمية يشكل عاملا حاسما في تحسين اندماج الطلاب ذوي صعوبات التعلم داخل المدرسة والمجتمع، ففي الولايات المتحدة أظهرت العديد من البرامج المطبقة داخل المدارس العمومية أن التوجيه الاجتماعي المبكر يسهم في تقليص معدلات التسرب المدرسي بشكل ملحوظ، كما يعزز المشاركة الاجتماعية والانخراط الإيجابي للمتعلمين في الحياة المدرسية، وتعتمد هذه البرامج على مقاربة وقائية تقوم على التدخل المبكر قبل تفاقم الصعوبات النفسية والاجتماعية.

وتبرز التجربة الامريكية أهمية العمل التكاملي بين المدرسة والمرشدين الاجتماعيين والأخصائيين النفسيين؛ حيث يتم تصميم خطط تدخل فردية تراعي الخصوصيات النفسية والاجتماعية لكل متعلم، وقد أظهرت هذه الخطط فعاليتها في تحسين التكيف المدرسي وبناء علاقات إيجابية مع الأقران، كما ساهمت في تعزيز الشعور بالانتماء والحد من السلوكيات العدوانية أو الانسحابية.

أما على المستوى الاوروبي فقد بينت التجارب الناجحة في عدد من الدول أن اعتماد مقاربة متعددة التخصصات يشكل أحد مفاتيح نجاح برامج التوجيه الاجتماعي، إذ يتم التنسيق بين المدرسة والخدمات الاجتماعية والصحية والجمعيات المدنية، ويسمح هذا التنسيق بتوفير دعم شامل يتجاوز حدود التدخل التربوي الضيق، وقد أسهم هذا النموذج في تقليص مظاهر التهميش الاجتماعي وتعزيز المشاركة المدنية للطلاب ذوي صعوبات التعلم داخل المجتمع المحلي. تؤكد هذه التجارب الدولية أن التوجيه الاجتماعي لا ينبغي اعتباره إجراء ثانويا أو تكميليا، بل يشكل عنصرا بنيويا في سياسات التربية الدامجة، كما تبرز أهمية الإرادة السياسية والتخطيط الاستراتيجي في ضمان استدامة هذه البرامج وتحقيق أثرها الاجتماعي بعيد المدى.

خامسا: توصيات لتوسيع برامج التوجيه الاجتماعي

تقتضي فعالية برامج التوجيه الاجتماعي إدماجها بشكل صريح ومؤسساتي داخل السياسات التعليمية الوطنية باعتبارها جزءا لا يتجزأ من منظومة الدعم التربوي والاجتماعي، فغياب هذا الإدماج يجعل هذه البرامج رهينة مبادرات معزولة أو تجارب محدودة الأثر لا ترقى إلى مستوى الاستجابة الشاملة لحاجيات الطلاب ذوي صعوبات التعلم. إن الاعتراف الرسمي بالتوجيه الاجتماعي كمكون بنيوي في السياسة التعليمية يعكس تحولا في تصور المدرسة من فضاء لنقل المعارف فقط إلى فضاء اجتماعي متكامل يعنى بالنمو النفسي والاجتماعي للمتعلمين.

ويستدعي هذا الإدماج وضع أطر قانونية وتنظيمية واضحة تحدد بصفة دقيقة أهداف برامج التوجيه الاجتماعي ومجالات تدخلها والفئات المستفيدة منها، كما ينبغي تحديد الأدوار والمسؤوليات بين مختلف المتدخلين داخل المنظومة التعليمية بما في ذلك الإدارة التربوية والأطر التعليمية والأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين، ويسهم هذا التحديد في تجاوز الارتجالية وضمان انسجام التدخلات وتكاملها داخل المؤسسة التعليمية، كما يفرض الإدماج المؤسساتي توفير موارد بشرية ومادية قارة تضمن استمرارية هذه البرامج وعدم ارتباطها بظروف ظرفية أو تمويلات مؤقتة، فالتوجيه الاجتماعي يتطلب حضورا منتظما ومواكبة مستمرة للمتعلمين وليس تدخلات متقطعة. ومن هذا المنطلق يعد التخطيط الاستراتيجي أحد الشروط الأساسية لإنجاح هذه البرامج وتحقيق أثرها بعيد المدى على مستوى الإدماج المدرسي والاجتماعي، إضافة إلى ذلك يسمح إدماج برامج التوجيه الاجتماعي ضمن السياسات التعليمية بتوحيد الرؤية البيداغوجية والاجتماعية على الصعيد الوطني مما يحد من التفاوتات بين المؤسسات التعليمية والمجالات الترابية المختلفة ويسهم في ضمان مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع المتعلمين بغض النظر عن أوضاعهم الاجتماعية أو الجغرافية. وبهذا المعنى يصبح التوجيه الاجتماعي رافعة للعدالة التعليمية وليس مجرد آلية دعم ثانوية.

- التكوين المتخصص والمستمر للأطر المشرفة على برامج التوجيه الاجتماعي:

يشكل التكوين المتخصص والمستمر للأطر المشرفة على برامج التوجيه الاجتماعي أحد المرتكزات الأساسية لضمان جودة هذه البرامج وفعاليتها، فالتعامل مع صعوبات التعلم لا يقتصر على الجانب البيداغوجي فقط بل يتطلب فهما معمقا للأبعاد النفسية والاجتماعية والثقافية التي تؤطر مسار المتعلم ولذلك فإن الأطر المشرفة تحتاج إلى كفاءات مهنية متعددة تمكنها من تحليل الوضعيات المعقدة التي يعيشها الطلاب ذوو صعوبات التعلم.

ويسهم التكوين المتخصص في تزويد الأطر بالأدوات النظرية والمنهجية الضرورية لفهم ديناميات التفاعل الاجتماعي داخل المدرسة، كما يساعدهم على اكتساب مهارات التواصل الفعال وبناء العلاقة الداعمة مع المتعلمين وأسرهم. فنجاح التوجيه الاجتماعي يرتبط بشكل كبير بجودة العلاقة المهنية القائمة على الثقة والاحترام المتبادل، كما يعد التكوين المستمر شرطا أساسيا لمواكبة التحولات الاجتماعية والتربوية المتسارعة فالسياقات الاجتماعية التي يعيش فيها المتعلمون تتغير باستمرار وتفرض تحديات جديدة تتطلب تحديث المقاربات وأساليب التدخل، ويسمح التكوين المستمر بتجديد المعارف وتبادل الخبرات بين المهنيين كما يعزز ثقافة التقييم الذاتي والتعلم المهني المستدام، إضافة إلى ذلك يساهم التكوين في الحد من الممارسات النمطية أو الاختزالية في التعامل مع صعوبات التعلم؛ حيث يتم الانتقال من منطق التشخيص السلبي إلى منطق التمكين والدعم وهو ما ينسجم مع فلسفة التربية الدامجة القائمة على الاعتراف بالاختلاف وتقدير التنوع، ومن ثم يشكل الاستثمار في تكوين الأطر استثمارا مباشرا في جودة التوجيه الاجتماعي ونجاعة أثره التربوي والاجتماعي.

- تعزيز الشراكات المجتمعية لضمان امتداد أثر البرامج خارج المدرسة:

يعد تعزيز الشراكات المجتمعية شرطا أساسيا لضمان امتداد أثر برامج التوجيه الاجتماعي خارج أسوار المدرسة، فالتدخل التربوي المعزول داخل المؤسسة التعليمية يظل محدود الأثر إذا لم يجد صدى ودعما داخل المحيط الاجتماعي الذي يعيش فيه المتعلم. ومن هذا المنطلق تبرز أهمية إشراك الأسر والجمعيات المحلية ومؤسسات المجتمع المدني في تخطيط وتنفيذ برامج التوجيه الاجتماعي.

وتشكل الأسرة الحلقة الأولى في مسار التنشئة الاجتماعية ولذلك فإن إشراكها في برامج التوجيه الاجتماعي يسمح بضمان استمرارية الدعم النفسي والاجتماعي للطالب داخل الفضاء المنزلي، كما يساهم في توحيد أساليب التعامل مع صعوبات التعلم بين المدرسة والأسرة مما يعزز استقرار المتعلم ويحد من التناقضات التربوية، كما تلعب الجمعيات المحلية ومؤسسات المجتمع المدني دورا محوريا في توفير فضاءات بديلة للتفاعل الاجتماعي والدعم النفسي. ويمكن لهذه الفضاءات أن تشكل امتدادا عمليا لبرامج التوجيه الاجتماعي من خلال الأنشطة الثقافية والرياضية والتطوعية ويسهم هذا الامتداد في تعزيز اندماج الطلاب داخل المجتمع المحلي وبناء شعور الانتماء والمواطنة، إضافة إلى ذلك تسمح الشراكات المجتمعية بتعبئة موارد إضافية مادية وبشرية تدعم استدامة البرامج، كما تعزز الوعي المجتمعي بقضايا صعوبات التعلم وتحد من الوصم الاجتماعي. وبهذا المعنى تتحول برامج التوجيه الاجتماعي إلى مشروع مجتمعي تشاركي يسهم في بناء بيئة اجتماعية أكثر احتضانا وتفهما للاختلاف.

- آليات التقويم المستمر وضمان الاستدامة:

يعد اعتماد آليات تقويم مستمر أحد الشروط الأساسية لضمان فعالية برامج التوجيه الاجتماعي واستدامتها فالتقويم لا ينبغي أن يقتصر على قياس النتائج النهائية فقط، بل يجب أن يشمل مختلف مراحل التخطيط والتنفيذ والتتبع ويسمح هذا التقويم بتحديد نقاط القوة ومجالات التحسين بشكل موضوعي.

وتتطلب عملية التقويم اعتماد مؤشرات كمية ونوعية في آن واحد، فالمؤشرات الكمية تتيح قياس تطور بعض السلوكيات أو نسب المشاركة والاندماج بينما تسمح المؤشرات النوعية بفهم التجارب الذاتية للمتعلمين وتأثير البرامج على شعورهم بالانتماء والأمان النفسي، ويعد الجمع بين هذين البعدين ضروريا للحصول على صورة شاملة ودقيقة عن أثر البرامج، كما يساهم التقويم المستمر في تطوير البرامج بناء على المعطيات الميدانية بدل الاعتماد على افتراضات نظرية مسبقة، ويسمح بإعادة توجيه التدخلات وتصحيح الاختلالات في الوقت المناسب. وهو ما يعزز مرونة البرامج وقدرتها على التكيف مع السياقات المختلفة، إضافة إلى ذلك يشكل التقويم أداة للمساءلة والشفافية؛ حيث يمكن من تقييم مدى تحقيق الأهداف المعلنة وضمان حسن توظيف الموارد ومن ثم يعد التقويم المستمر ركيزة أساسية لضمان استدامة برامج التوجيه الاجتماعي وتحقيق أثرها الاجتماعي والتربوي بعيد المدى.

خاتمة

يخلص هذا التحليل إلى أن توسيع برامج التوجيه الاجتماعي وتعزيز فعاليتها لا يمكن أن يتحقق في إطار مقاربات جزئية أو تدخلات ظرفية محدودة الأثر بل يستدعي الأمر تبني رؤية شمولية تنطلق من فهم عميق للعلاقة الجدلية بين المدرسة والمجتمع وبين التعلم والاندماج الاجتماعي، فبرامج التوجيه الاجتماعي لا تمثل مجرد أدوات دعم نفسي أو سلوكي موجهة لفئة معينة من المتعلمين وإنما تشكل مكونا بنيويا داخل المنظومة التربوية الحديثة التي تسعى إلى تحقيق العدالة التعليمية وتكافؤ الفرص.

إن نجاح هذه البرامج يظل رهينا بإدماجها المؤسسي داخل السياسات التعليمية الوطنية بشكل واضح وممنهج؛ حيث يضمن هذا الإدماج انتقال التوجيه الاجتماعي من وضعية الهامش إلى موقع الفعل الاستراتيجي داخل المدرسة كما يسمح بتوفير الإطار القانوني والتنظيمي الذي يحدد الأهداف ويضبط الآليات ويضمن استمرارية التدخلات، فغياب هذا الإطار يجعل البرامج عرضة للتذبذب وعدم الاستقرار ويحد من قدرتها على تحقيق أثر طويل المدى، إضافة إلى ذلك يشكل توفير تكوين متخصص ومستمر للأطر المشرفة شرطا أساسيا لإنجاح برامج التوجيه الاجتماعي فالتعامل مع الطلاب ذوي صعوبات التعلم يتطلب كفاءات مهنية متعددة تتجاوز المعارف البيداغوجية التقليدية لتشمل الفهم النفسي والاجتماعي والثقافي لمسارات التعلم ويسهم هذا التكوين في تمكين الأطر من قراءة الوضعيات المعقدة وتحليلها والتدخل فيها بطرق تراعي خصوصيات المتعلمين وتحترم كرامتهم، كما يساعد على تجنب المقاربات الاختزالية التي تختزل صعوبات التعلم في أبعاد فردية معزولة عن سياقها الاجتماعي.

بهذا المعنى يشكل التوجيه الاجتماعي استثمارا استراتيجيا في بناء مدرسة دامجة قادرة على استيعاب التنوع والاختلاف، كما يمثل رافعة أساسية لبناء مجتمع أكثر شمولا وإنصافا مجتمع يعترف بالهشاشة باعتبارها مسؤولية جماعية وليس فشلا فرديا. ومن ثم فإن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في تعميم برامج التوجيه الاجتماعي، بل في ترسيخها كخيار مجتمعي يعكس إرادة جماعية في تحقيق العدالة الاجتماعية وضمان الحق في التربية الدامجة لكل المتعلمين دون استثناء.

لائحة المراجع

الخطيب جمال (2013)، التربية الخاصة مدخل إلى الإعاقة وصعوبات التعلم، دار الفكر عمان.

عبد الرحمن سليمان (2018)، الصحة النفسية لذوي الاحتياجات الخاصة، دار المسيرة عمان.

Wehmeyer M L Shogren K A 2017 Self determination and choice Inclusion .

Maton K I et al 2006 Empowering community settings American Journal of Community Psychology .

UNESCO 2020 Inclusion and education All means all UNESCO Publishing

  

إرسال تعليق

0 تعليقات

إرسال تعليق (0)
3/related/default