دور المجتمع المحلي في دعم برامج الدمج المدرسي للفئات الهشة
مقدمة
يعد المجتمع
المحلي فاعلا محوريا في إنجاح برامج الدمج المدرسي الموجهة للفئات الهشة نظرا لما
يختزنه من موارد اجتماعية وثقافية ورمزية قادرة على دعم العملية التربوية خارج
الإطار المدرسي الرسمي. وانطلاقا من المقاربة السوسيولوجية التي تنظر إلى المدرسة
باعتبارها مؤسسة اجتماعية متداخلة مع محيطها فإن الدمج المدرسي لا يمكن اختزاله
في ممارسات بيداغوجية داخل الفصل الدراسي بل يشكل مشروعا مجتمعيا شاملا يتطلب
تضافر جهود مختلف الفاعلين الاجتماعيين. فالمدرسة ليست فضاء معزولا بل هي جزء من
نسق اجتماعي أوسع يتأثر بالبنيات الثقافية والاقتصادية والرمزية السائدة داخل
المجتمع.
وعليه فان
انخراط المجتمع المحلي في دعم التربية الدامجة يسهم في بناء بيئة تعليمية منفتحة قادرة على مواجهة مظاهر الإقصاء والتهميش التي تعاني منها الفئات الهشة خاصة
الأطفال ذوي الإعاقة وصعوبات التعلم، كما يسمح هذا الانخراط بإعادة تعريف مفهوم
النجاح المدرسي من منظور اجتماعي شامل لا يقتصر على التحصيل المعرفي فقط، بل يشمل
الاندماج الاجتماعي وبناء الهوية الإيجابية والشعور بالانتماء. ومن ثم يصبح الدمج
المدرسي تعبيرا عن تحول قيمي يعكس انتقال المجتمع من منطق الإقصاء إلى منطق
الاعتراف بالاختلاف.
أولا: أهمية دعم المجتمع المحلي في التربية الدامجة
يشكل دعم
المجتمع المحلي ركيزة أساسية في تعزيز القدرات المؤسسية للمدرسة الدامجة، إذ يساهم
في توفير موارد بشرية متخصصة مثل الأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين والمتطوعين،
إضافة إلى دعم مادي ولوجيستي يساعد على تحسين جودة الخدمات التربوية المقدمة. وفي
هذا السياق يبرز الدور التكميلي للمجتمع المحلي في سد الفجوات التي قد تعجز
المؤسسات التعليمية وحدها عن تلبيتها خاصة في السياقات التي تعرف محدودية
الإمكانات.
ومن منظور سوسيولوجي يلعب المجتمع المحلي دورا حاسما في إعادة تشكيل التمثلات الاجتماعية السائدة حول الإعاقة والاختلاف، فالمواقف السلبية والوصم الاجتماعي غالبا ما تشكل عائقا غير مرئي أمام تحقيق الدمج الفعلي حتى في حال توفر الأطر القانونية والبيداغوجية، لذلك فان انخراط الفاعلين المحليين في أنشطة توعوية وتحسيسية يساهم في ترسيخ قيم القبول والتضامن الاجتماعي ويحد من الصور النمطية التي تعيق إدماج الفئات الهشة، فضلا عن ذلك تضمن المشاركة المجتمعية استمرارية الدعم التربوي والنفسي خارج أسوار المدرسة سواء داخل الأسرة أو في الفضاءات الاجتماعية الأخرى وهو ما يعزز فرص النجاح المدرسي والاندماج الاجتماعي على المدى المتوسط والبعيد، ومن ثم يشكل المجتمع المحلي رافعة أساسية لتحقيق الإدماج الاجتماعي الحقيقي باعتباره مسارا تراكميًا يتجاوز الإدماج الشكلي داخل المؤسسات التعليمية.
- المجتمع المحلي
كنسق داعم للتنشئة الاجتماعية:
لا يقتصر دور المجتمع المحلي في التربية الدامجة على الدعم المباشر بل يمتد ليشمل وظائف التنشئة الاجتماعية التي تؤثر بشكل عميق في مسارات التعلم. فالقيم والمعايير الاجتماعية التي يكتسبها الطفل داخل الأسرة والحي والجماعات المرجعية تشكل محددا رئيسيا لمدى تقبله للاختلاف وقدرته على التفاعل الإيجابي مع الآخرين. وفي هذا الإطار يساهم المجتمع المحلي في بناء رأس مال اجتماعي داعم للدمج المدرسي من خلال شبكات التضامن والتعاون التي تسهل اندماج الفئات الهشة، كما ان المجتمعات المحلية التي تتبنى ثقافة المشاركة والمسؤولية الجماعية تكون أكثر استعدادا لدعم المبادرات الدامجة مقارنة بالمجتمعات التي يسود فيها منطق الفردانية أو اللامبالاة. وعليه فان الاستثمار في تنمية الوعي المجتمعي يشكل شرطا بنيويا لنجاح أي سياسة للدمج المدرسي.
ثانيا: أشكال المشاركة المجتمعية الفعالة
تتخذ المشاركة المجتمعية في دعم الدمج المدرسي أشكالا متعددة ومتكاملة تعكس تنوع الفاعلين والأدوار داخل المجتمع المحلي وتبرز أولا مساهمة الجمعيات المحلية التي تضطلع بدور حيوي في تنظيم الأنشطة التربوية والثقافية الداعمة للمتعلمين في وضعية هشاشة. فهذه الجمعيات غالبا ما تتمتع بمرونة تنظيمية تمكنها من الاستجابة لحاجيات الفئات المستهدفة بشكل سريع وملائم، كما تمثل مشاركة الأسر في تتبع المسار الدراسي والتربوي لأبنائها عنصرا محوريا في إنجاح برامج الدمج. فالأسرة تشكل الحلقة الأولى في سلسلة الدعم الاجتماعي ومن خلالها يتم تعزيز الاستمرارية بين ما يتعلمه الطفل داخل المدرسة وما يعيشه في محيطه اليومي، إضافة إلى ذلك يبرز انخراط الفاعلين المحليين من جماعات ترابية ومؤسسات مدنية في إطلاق مبادرات دامجة مثل تهيئة الفضاءات العمومية أو دعم النقل المدرسي أو تمويل مشاريع تربوية. ومن خلال هذا التنوع في أشكال المشاركة يتحقق التكامل بين الأدوار التربوية والاجتماعية مما يعزز فعالية الدمج المدرسي ويحول المدرسة إلى فضاء مفتوح على محيطه الاجتماعي.
- الشراكة بين
المدرسة والمجتمع المحلي:
تشكل الشراكة بين المدرسة والمجتمع المحلي آلية تنظيمية تسمح بتنسيق الجهود وتوحيد الرؤى حول أهداف الدمج المدرسي، ومن منظور سوسيولوجي تعكس هذه الشراكة تحولا في تصور المدرسة لوظيفتها من مؤسسة مغلقة إلى فاعل اجتماعي منفتح، كما تتيح هذه الشراكة تقاسم المسؤوليات وتبادل الخبرات بما يسهم في تطوير ممارسات تربوية أكثر ملاءمة لاحتياجات الفئات الهشة، غير أن فعالية هذه الشراكات تظل رهينة بوجود آليات واضحة للتواصل والتنسيق إضافة إلى تحديد الأدوار والمسؤوليات بشكل دقيق، لذلك فان بناء شراكات مستدامة يتطلب إرادة مؤسساتية ورؤية استراتيجية طويلة المدى.
ثالثا: دراسات حالة
وتجارب ناجحة
أظهرت الأدبيات
الدولية في مجال التربية الدامجة أن الشراكات الفاعلة بين المدرسة والمجتمع المحلي
تشكل عاملا حاسما في تحسين نتائج الدمج المدرسي على المستويات التعليمية
والاجتماعية معا، فقد بينت تجارب ميدانية في كندا أن إشراك الأسر والجمعيات
المحلية في تخطيط وتنفيذ البرامج التربوية الدامجة ساهم في تعزيز التفاعل
الاجتماعي للمتعلمين ذوي الاحتياجات الخاصة، كما أدى إلى تنمية شعورهم بالانتماء
داخل الوسط المدرسي ويعزى هذا الأثر الإيجابي إلى كون المشاركة المجتمعية توفر
دعما متواصلا يربط بين الفضاء المدرسي والفضاء الأسري مما يحد من الانقطاعات في
مسار التنشئة الاجتماعية.
وفي السياق ذاته
أظهرت تجارب في أستراليا أن التعاون المؤسسي بين المدارس والسلطات المحلية
والجماعات المجتمعية أدى إلى تقليص معدلات الانقطاع المدرسي في صفوف الفئات الهشة خاصة في المناطق التي تعاني من الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية، كما ساهم هذا
التعاون في تطوير برامج دعم موازية تستجيب للحاجيات الاجتماعية والنفسية
للمتعلمين وليس فقط لمتطلباتهم الأكاديمية؛ حيث يبرز من خلال هذه التجارب أن الدمج
المدرسي الناجح يرتبط بقدرة المدرسة على الانفتاح على محيطها الاجتماعي وبناء
علاقات شراكة قائمة على الثقة وتبادل المسؤوليات.
وتؤكد هذه
التجارب الدولية أن المقاربة التشاركية لا تقتصر على تحسين النتائج التعليمية بل
تمتد لتشمل تعزيز التماسك الاجتماعي داخل المجتمع المحلي، فمن خلال إشراك مختلف
الفاعلين الاجتماعيين في العملية التربوية يتم ترسيخ قيم التعاون والتضامن وقبول
الاختلاف وهو ما يسهم في بناء مجتمعات أكثر شمولا وقدرة على استيعاب التنوع. وعليه فان اعتماد المقاربة التشاركية يمثل خيارا استراتيجيا في سياسات التربية
الدامجة باعتبارها أداة لإعادة إنتاج علاقات اجتماعية أكثر عدالة وإنصافا.
رابعا: التحديات في إشراك المجتمع المحلي
رغم الأهمية المتزايدة للمشاركة المجتمعية في دعم برامج الدمج المدرسي إلا أن تفعيلها يواجه مجموعة من التحديات البنيوية والثقافية التي تحد من فعاليتها، ويأتي في مقدمة هذه التحديات ضعف الوعي المجتمعي بقضايا الإعاقة والدمج؛ حيث لا تزال بعض التمثلات الاجتماعية السائدة تنظر إلى الاختلاف من منظور سلبي مما يكرس ممارسات إقصائية غير معلنة داخل الفضاءين المدرسي والاجتماعي. وتنعكس هذه التمثلات على مستوى انخراط الأسر والفاعلين المحليين فتضعف دينامية الشراكة المطلوبة، كما تبرز محدودية التنسيق بين مختلف الفاعلين المحليين سواء بين المدرسة والجمعيات أو بين المؤسسات التعليمية والسلطات المحلية. ويؤدي هذا التشتت في الجهود إلى تكرار المبادرات أو ضعف أثرها لغياب رؤية مشتركة وأهداف واضحة، إضافة إلى ذلك يعاني إشراك المجتمع المحلي من إكراهات مرتبطة بضعف الموارد المالية والبشرية خاصة في المناطق الهشة مما يحد من استدامة المبادرات الدامجة.
وفضلا عن ذلك
فان غياب سياسات عمومية واضحة ومؤطرة للشراكات المجتمعية في مجال التربية الدامجة
يجعل هذه الشراكات رهينة لمبادرات فردية أو ظرفية ترتبط غالبا بوجود فاعلين
متحمسين دون أن تترسخ في بنيات مؤسساتية دائمة. ومن ثم تبرز الحاجة إلى تجاوز
المقاربات الجزئية نحو بناء منظومة شراكات قائمة على رؤية استراتيجية شاملة، تضمن
الاستمرارية والانسجام بين مختلف المتدخلين.
خامسا: توصيات لتعزيز شراكات المجتمع المدرسي
انطلاقا من تشخيص واقع المشاركة المجتمعية في دعم برامج الدمج المدرسي وما يعتريها من تحديات بنيوية وثقافية تبرز الحاجة إلى اعتماد منظومة متكاملة من التوصيات العملية الكفيلة بتعزيز شراكات المجتمع المدرسي وضمان فعاليتها واستدامتها. وفي هذا السياق يشكل تعزيز قنوات التواصل المنتظم بين المدرسة ومكونات المجتمع المحلي مدخلا أساسيا لبناء الثقة المتبادلة وتبادل المعطيات والخبرات. ويتطلب ذلك إحداث آليات تشاركية دائمة مثل لجان محلية أو مجالس مدرسية موسعة تتيح للفاعلين المحليين من أسر وجمعيات ومؤسسات مدنية المساهمة في بلورة القرار التربوي وتتبع تنفيذه، كما يوصى بإدماج المقاربة التواصلية ضمن التدبير المدرسي بما يسمح بتحويل المدرسة إلى فضاء منفتح على محيطه الاجتماعي قادر على الإصغاء لحاجيات الفئات الهشة والتفاعل معها. ويسهم هذا الانفتاح في تقليص الفجوة بين الخطاب التربوي والممارسة الاجتماعية ويعزز الإحساس بالمسؤولية المشتركة تجاه قضايا الدمج المدرسي.
ومن جهة أخرى تبرز أهمية تنظيم حملات توعوية وتحسيسية منتظمة تستهدف تغيير التمثلات الاجتماعية السلبية المرتبطة بالإعاقة والهشاشة والعمل على نشر ثقافة القبول والاختلاف داخل المجتمع المحلي، ولا ينبغي أن تقتصر هذه الحملات على الفضاء المدرسي فقط بل يجب أن تمتد إلى مختلف الفضاءات الاجتماعية مثل الأحياء ووسائل الإعلام المحلية والأنشطة الثقافية. ويساهم هذا التوجه في تفكيك الصور النمطية والحد من الممارسات الإقصائية التي تعيق تحقيق الدمج الفعلي، إضافة إلى ذلك يعد دعم المبادرات المحلية ذات الطابع الدامج عنصرا محوريا في تعزيز الشراكات المجتمعية سواء عبر توفير التمويل اللازم أو من خلال المواكبة التقنية وبناء القدرات، كما يوصى بتشجيع الابتكار الاجتماعي في مجال التربية باعتباره مدخلا لتطوير حلول مرنة وملائمة لخصوصيات السياقات المحلية خاصة في المناطق التي تعرف هشاشة اجتماعية واقتصادية. ويتيح هذا الابتكار إشراك الفاعلين المحليين في إنتاج حلول تربوية نابعة من واقعهم الاجتماعي مما يعزز الإحساس بالملكية الجماعية للمشاريع الدامجة.
وأخيرا يعد
إرساء أطر مؤسساتية واضحة لتنظيم الشراكة بين المدرسة والمجتمع المحلي شرطا أساسيا
لضمان استدامة برامج الدمج المدرسي. ويتطلب ذلك إبرام اتفاقيات رسمية تحدد الأدوار
والمسؤوليات بين مختلف المتدخلين إضافة إلى إحداث هياكل تنسيقية تسهر على تتبع
تنفيذ البرامج وتقييم أثرها. ويساهم هذا التنظيم المؤسسي في الانتقال من مبادرات
ظرفية ومجزأة إلى سياسات شراكة قائمة على رؤية استراتيجية طويلة المدى تضمن تحقيق
أثر اجتماعي يتجاوز حدود المؤسسة التعليمية.
خاتمة
يخلص هذا
التحليل إلى أن الدمج المدرسي لا يمكن اعتباره شأنا تربويا معزولا أو مسؤولية
حصرية للمؤسسة التعليمية بل يمثل مشروعا مجتمعيا متكاملا يتطلب انخراطا فعليا
ومنسقا من مختلف مكونات المجتمع المحلي. فالمدرسة لا تعمل في فراغ اجتماعي بل
تتأثر بالبنيات الثقافية والاقتصادية والقيمية المحيطة بها وهو ما يجعل نجاح
برامج الدمج رهينا بمدى تفاعل هذه البنيات مع الأهداف التربوية.
ومن خلال تعبئة
الموارد الاجتماعية وتغيير التمثلات الثقافية السائدة وبناء شراكات مؤسساتية فعالة
يمكن تحويل المدرسة إلى فضاء دامج يعكس قيم العدالة الاجتماعية والإنصاف وتكافؤ
الفرص، كما يسهم هذا التحول في تعزيز التماسك الاجتماعي وبناء علاقات قائمة على
الاحترام المتبادل وقبول الاختلاف.
وعليه فان
الاستثمار في المجتمع المحلي يشكل استثمارا استراتيجيا في مستقبل التربية الدامجة لما له من أثر مباشر على جودة التعليم وعلى بناء مجتمع أكثر شمولا وقدرة على
احتضان التنوع. ومن ثم تظل الشراكة بين المدرسة والمجتمع المحلي مدخلا أساسيا
لتحقيق دمج مدرسي مستدام يواكب التحولات الاجتماعية ويستجيب لتحديات الهشاشة ويؤسس لنموذج تربوي قائم على التضامن والمسؤولية الجماعية.
لائحة المراجع
Epstein, J. L. (2011). School, family,
and community partnerships. Westview Press.
Forlin, C., & Chambers, D. (2011).
Teacher preparation for inclusive education. Asia Pacific Journal of Teacher
Education.
UNESCO. (2020). Inclusion and education:
All means all. UNESCO Publishing.
Ainscow, M., Booth, T. Dyson, A.
(2016). Improving schools, developing inclusion. Routledge.
Slee, R. (2018). Inclusive education
isnt dead, it just smells funny. Routledge.




