الإطار المفاهيمي للتربية الدامجة: الآليات وتدابير التنزيل

التربية الدامجة والتقنيات الذكية
1

 

الإطار المفاهيمي للتربية الدامجة: الآليات وتدابير التنزيل

 

ملخص

 إن التمييز بين الأفراد مهما تعددت اختلافاتهم الثقافية واللغوية والعرقية وغيرها من الاختلافات يمنعها  الدستور منعا  كليا . وفي هذا  الإطار فإن مجمل سياسات الدولة  تحث على العمل بهذا القانون  في جميع قراراتها، إذ تخص بالأساس الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة بهدف إدماجهم داخل المجتمع. إن جمعيات المجتمع المدني كجمعيات حقوق الإ نسان وحقوق الطفل يعد حلقة أساس في دمج الفئات الهشة دوي الاحتياجات الخاصة وتقويتها سيكولوجيا في مواجهة المجتمع وتصوراته. تعتبرمنظمة اليونسيف التربية  الدامجة على أنها تربية مبنية على حق  الجميع في تربية ذات جودة تستجيب لحاجات التعلم الأساسية بهدف إزالة التهميش والإ قصاء وتعزيز الإ ندما ج داخل المجتمع من خلال إدما ج الأطفال  في وضعية إعاقة  في نفس الأ قسام العادية الدامجة.

الكلمات المفتاحية: التربية الدامجة، الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، تكييف التعلمات، الإنصاف، الإندماج.

مقدمة

يعتبر التعليم أول قطاع يعنى بهذا الدمج لتكوين هاته الفئة و توعيته والإستفادة من طاقاتها وتقوية و صقل مواهبها و إمكاناته إذ عملت الوزارة الوصية على تطوير الاستراتيجيا ت من دعم لمنظمات غير حكومية تهتم برعاية الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة إلى الشروع في إنشاء مدارس دامجة تهدف إلى إزاحة الإقصاء و التهميش وتعزيز التماسك الإجتماعي ضمانا لمبدأ الإنصاف و تكافؤ الفرص من خلال إدماج الأطفال في وضعية إعاقة في نفس الأقسام موازاة مع الأسوياء لتمتيعهم بحق التمدرس مع الأخذ بعين الإعتبار خصوصيات هذه الفئة لتكييف التعلمات.   

حسب إحصاء  سنة 2014 كشفت البحث الثاني حول الإعاقة من طرف وزارة التضامن والأسرة والإدماج الاجتماعي والأسرة عن نتائج جد مقلقة ما يقارب 2,264.672 شخص على اعتبار أن نسبة انتشار الإعاقة بلغت 6.8% بمعنى أن لكل أسرة من أربعة أسر لديها شخص في وضعية إعاقة، الأمر الذي يدعو إلى وضع برامج دامجة وتوعية الأسر المغربية من مخاطر بعض الإصابات خاصة في مرحلة الطفولة المبكرة، ومن خلال ما تم ذكره أعلاه في المغرب حاليا يناقش إعلان البحث الثالث للإعاقة لسنة 2026 من طرف وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة الذي تم عرضه على السلطة التشريعية للبث في المراحل التشريعية.

أولا: السياق المفاهيمي للتربية الدامجة وأهم الإتفاقيات الدولية


يعمل المغرب كغيره من الدول على تحسين جودة التعليم و الرقي بهذا المجال نظرا لكون جميع القطاعات التي تخص تطور الدولة من اقتصاد، ثقافة، سياسة... تقوم على تربية و تكوين أفراد المجتمع. و بناءا على منظمات حقوق الإنسان و حقوق الطفل لوحظ أن فئة خاصة من المجتمع مهمشة إن لم تكن مقصية و منزوع لها حق من الحقوق الأساس ألا و هو التمدرس.   

شرعت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة في تزويد الجمعيات و المنظمات الغير الحكومية التي تهتم برعاية الأطفال المعاقين بالمعدات المدرسية  التربوية والإدارية، وتجدر الإشارة على سبيل المثال المدرسة العلوية لرعاية المكف وفي و مؤسسة للا أسماء للصم و البكم. إن طرح الإشكال يبقى رهينا بمجموعة من التحديات القانونية والاجتماعية والتربوية التي تستهدف هذه الفئات من المجتمع وهو كيف يمكن العمل على تطوير برامج وسياسات عمومية لإدماج هذه الفئات داخل المجتمع المصغر(المدرسة) والمجتمع؟  

في هذا الشأن اعتمدت أقسام دامجة داخل المدارس العمومية باتفاق الوزارة الوصية مع بعض الجمعيات الشيء الذي أدى إلى إحداث مشروع للإدماج المدر سي في شكل اتفاقية شراكة مع المن دوبية السامية للأشخاص المعاقين يوم 6 أكتوبر 1996.   

وقد عمل المغرب على توقيع شراكات هامة بهذا الخصوص مع اليونيسيف و منظمة الصحة العالمية  وتجديد الإتفاقيات خاصة وأن مؤسسات المجتمع المدني تشكل الأطراف المغربية التي وقعت عقد مقرر التضامن مع اليونيسيف لضمان حقو ق هاته الفئة. و تعد هذه الشراكات تعزيزا معنويا و ماديا  مهمي في النهوض و في إرساء مبدأ الإنصاف و تكافؤ الفرص ومن أهم الآليات في هذا المنحى نذكر:

- القيام بالتعبئة الاجتماعية الضرورية لدعم تربية الأطفال ذوي إعاقة. 

- تكوين 50 استاذ يدرسون بالأقسام التي تم إحداثها برسم السنة الدراسية  2006-2007.

- تهييئ مشروع دورية مشتركة بي الوزارة ووزارة الصحة في مجال تربية الأطفال ذوي إعاقة.  

- تنظيم دورات تكوينية لفائدة الأطر التربوية العاملة بالأقسام المحدثة على صعيد بعض الجهات.

ثانيا: مكانة التربية الدامجة في المغرب

تعد سياسة الدمج تهدف بشكل عام مواجهة الاحتياجات التربوية الخاصة للطفل المعاق ضمن اطار  المدرسة  العادية  ووفقا  لأساليب ومناهج ووسائل دراسية تعليمية؛ حيث يشرف على تقديمها جهاز تعليمي متخصص اضافة كوادر التعليم في المدرسة العامة تلك العملية التي تشمل على جمع الطلاب في فصول ومدارس التعليم العام بغض النظر عن الذكاء أو الموهبة أو الإعاقة أو المستوى الاجتماعي والاقتصادي أو الخلفية الثقافية للطلاب.  

إن وضع الأطفال ذوي القدرات والإعاقات المختلفة في صفوف تعليم عادية وتقديم الخدمات التربوية لهم مع توفير دعم صفي كامل هو إجراء لتقديم خدمات خاصة للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في أقل البيئات تقييدا وهذا يعن أن يوضع مع أقرانه العاديي.    

أما في ما يخص الأطفال الأسوياء يتعلمون تقبل الاختلاف أما ذوو الاحتياجا ت الخاصة فسيتم دمجهم ضمن أفراد المجتمع والضمان لهم مستقبل لا يقل درجة عن الأفراد العاديين، كل حسب وتيرته ومردوديته. وفي إطار المنظور المفاهيمي لا نتكلم فيما سيأتي عن المفهوم اللغوي وإنما المفهوم الذي يعني "دمج الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة" التي لها ما لها في نفسية الأشخاص المعنيين والتصور الذهني لدى الأسوياء تجاههم مما يؤدي إل العزوف عن الدراسة حفاظا على كرامتهم ونفسيتهم من الأذى المعنوي.  

ثالثا: أهم تدابير تفعيل التربية الدامجة

تهدف التربية الدامجة إلى محاربة مختلف أشكال التهميش والإقصاء، وتعزيز الاندماج الاجتماعي للأطفال في وضعية إعاقة وذلك من خلال إدماجهم داخل الأقسام العادية، بل وعلى مستوى المؤسسة التعليمية ككل في إطار رؤية شمولية تجعل المدرسة فضاءً مفتوحا أمام جميع المتعلمين دون تمييز. وتقوم هذه المقاربة على جملة من المبادئ الأساسية من بينها مبدأ المدرسة للجميع، ومبدأ الحق في تعلم ذي جودة، ومبدأ الإنصاف وتكافؤ الفرص، إضافة إلى مبدأ تكييف التعليم مع حاجيات المتعلم بدل تكييف المتعلم مع النظام التعليمي. ويفترض وفق هذا المنظور أن يجد الطفل ذاته داخل المدرسة من خلال مشروع بيداغوجي شخصي يراعي قدراته ووتيرة تعلمه وإنتاجه مع التأكيد على الدور المحوري للأستاذ- المربي في التأطير والمتابعة ودور الأسرة والأقران في دعم المسار التربوي والاجتماعي للطفل، كما تنسجم هذه التوجهات مع مقتضيات المادة 24 من اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، ومع التصريحات الرسمية لوزارة التربية الوطنية التي أكدت منذ سنة 2020 على الانتقال من المقاربة الإحسانية إلى المقاربة الحقوقية في مجال الإدماج المدرسي، وقد توجت هذه الجهود بتحقيق نتائج إيجابية من أبرزها ارتفاع نسبة نجاح التلاميذ ذوي الإعاقة في امتحان البكالوريا خلال الموسم الدراسي 2019/2020 إلى حوالي 80%، فضلا عن التوجه نحو إرساء مدرسة دامجة شاملة في أفق الموسم الدراسي 2027/2028 من خلال الانتقال من مجرد مذكرات تنظيمية إلى إطار قانوني مؤطر وملزم.

ومن أهم التدابير والمؤشرات العملية لتفعيل التربية الدامجة في المنظومة التعليمية:

- تكوين المدرسين وتمكينهم من كفايات تربوية وديداكتيكية ملائمة للتعامل مع وضعيات الإعاقة المختلفة؛

- تكييف الامتحانات وظروف إجرائها بما يضمن مبدأ الإنصاف وتكافؤ الفرص بين المتعلمين؛

- ملاءمة المناهج والبرامج الدراسية مع طبيعة الإعاقات، بما يراعي الفروق الفردية وحاجيات التعلم الخاصة؛

- تعزيز الشراكات الوطنية والدولية مع الفاعلين والمؤسسات المتخصصة في مجال الإعاقة؛

- دعم الإطار القانوني والمؤسساتي عبر مذكرات ودوريات وزارية تؤطر إدماج الأطفال ذوي الإعاقة داخل التعليم العمومية.

رابعا: إكراهات التربية الدامجة في دمج الفئات المعنية 

من المهم أن أي مشروع إصلاحي يظل رهينا بعوامل النجاح والفشل ويعد مشروع التربية الدامجة من بين المشاريع التربوية التي واجهت مجموعة من الإكراهات أثناء تنزيلها على أرض الواقع، غير أن ذلك لم يحل دون استمرار الجهود الرامية إلى تطويره وتحسين شروط إنجاحه داخل مؤسسات التعليم الجامع، فقد أفرزت الممارسة الميدانية عددًا من الصعوبات البنيوية والتنظيمية التي حالت دون تحقيق الأهداف المرجوة بشكل كامل، خاصة ما يتعلق بصعوبة التنبؤ بعدد الأطفال في وضعية إعاقة عند إعداد الخريطة التربوية وإشكالية تشخيص الإعاقات والتمييز بين أنواعها، إضافة إلى الخصاص المسجل في الأطر التربوية المؤهلة وضعف تتبع المشاريع البيداغوجية الفردية وقلة انخراط بعض الأسر في مواكبة تمدرس أبنائها، فضلا عن غياب فرق داعمة متعددة التخصصات تجمع بين البعد التربوي والصحي والاجتماعي إلى جانب البعد الجغرافي لبعض أقسام الإدماج عن مقرات سكن الأطفال.

وفي السياق نفسه أكدت تقارير دولية من بينها مداخلات ممثلة منظمة اليونيسيف بالمغرب خلال ندوة دولية سنة 2019 أن تعثر مسار الإدماج المدرسي يعود بالأساس إلى ثلاثة موانع رئيسية تتمثل في ضعف الوعي المجتمعي بقدرات الأطفال في وضعية إعاقة وهيمنة التصورات السلبية حولهم وعدم تكييف البيداغوجيات والمراجع التربوية مع حاجات كل طفل على حدة، إضافة إلى محدودية تكوين الأطر التربوية والإدارية ثم الصعوبات المرتبطة بتنزيل سياسات تعليمية شاملة ومنسجمة على المستويين الوطني والمحلي.

ومن منظور حقوقي وإنساني يبرز مفهوم المجتمع الدامج كما طرحه المفكر شارل غاردو الذي شدد على أن الأشخاص في وضعية إعاقة يشكلون جزءا لا يتجزأ من النسيج المجتمعي وأن إدماجهم لا ينبغي أن يفهم كإجراء علاجي أو استثنائي بل كاعتراف صريح بحقهم في الوجود والمشاركة والتقدير داخل مجتمع خال من الإقصاء والتراتبية والامتيازات يضمن لجميع أفراده الحق في الكرامة والحقوق دون تمييز.

تظهر بعض المؤشرات الجهوية، خاصة بجهة بني ملال خنيفرة، تطورًا ملحوظا في الاهتمام بالتربية الدامجة؛ حيث عرف عدد الأطفال المدمجين داخل أقسام الإدماج المدرسي ارتفاعا ملحوظا مع تزايد عدد المؤسسات التعليمية والجمعيات الداعمة وتوقيع اتفاقيات شراكة وتحسن نسبي في الولوجيات وهو ما يعكس وجود إرادة مؤسساتية لتعزيز هذا الورش التربوي رغم الإكراهات القائمة.

وفي ضوء ما سبق يمكن اعتبار أهم الآليات البديلة والداعمة للتربية الدامجة ما يلي:

- تعزيز التشخيص المبكر والدقيق للإعاقات عبر فرق متعددة التخصصات

- تطوير التكوين الأساس والمستمر للأطر التربوية والإدارية في مجال التربية الدامجة

- تكييف البيداغوجيات والمناهج مع الحاجات الفردية للمتعلمين

- توسيع الشراكات مع المجتمع المدني والمنظمات المتخصصة

- تحسين الولوجيات والبنيات التحتية وتقريب أقسام الإدماج من محيط عيش الأطفال

خاتمة
إن التربية الدامجة لا تمثل مجرد اختيار بيداغوجي أو سياسة ظرفية، بل تشكل حقا أصيلا من حقوق الأطفال  في وضعية إعاقة وجزءا لا يتجزأ من مشروع بناء مدرسة عادلة ومنصفة، فهي ترجمة عملية لمبدأ تكافؤ الفرص وضمان الكينونة الاجتماعية لجميع المتعلمين كل وفق قدراته وإمكاناته، ورغم التحديات التي تعترض تفعيلها فإن اعتماد آليات بديلة قائمة على التكوين والتنسيق والتشخيص المبكر والانفتاح على المجتمع المدني من شأنه أن يعزز نجاعة هذا الورش الإصلاحي، كما يظل نجاح التربية الدامجة رهينا بتكامل أدوار الدولة والأسرة والمدرسة والمجتمع بما يضمن انتقالها من مستوى النصوص والتوصيات إلى واقع تربوي شامل يكرس حق الاختلاف ويؤسس لمجتمع دامج بحق

لائحة المراجع

  

.1 Direction de la statistique, Population en situation d’handicap au maroc profile demographique et socio économique, Rabat, Okkad,  2009.

.2 GARDOU, C., La société inclusive, parlons-en, eres, 2012 .  

.3 https://sites.google.com/a/kamany.tzafonet.org.il/gadeer/123, consulté le 10 avril 2023 à 21h00

.4  https://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar consulté le 10 avril

2023 à 21h00

.5 https://www.amb-maroc.fr, consulté le 10 avril 2023 à 21h00 .  

.6 https://www.csefrs.ma/ledroit_à_une_éducation_inclusive, consulté le 15avril 2023 à 15h30.

 

إرسال تعليق

1 تعليقات

  1. موضوع جيد وفي غاية الأهمية العلمية أحسنت

    ردحذف
إرسال تعليق
3/related/default