حقوق المعلمين في المدارس الدامجة: دراسة تشريعية وتحليلية

التربية الدامجة والتقنيات الذكية
0

حقوق المعلمين في المدارس الدامجة: دراسة تشريعية وتحليلية

ملخص

تناول هذه الدراسة حقوق المعلمين في المدارس الدامجة من خلال مقاربة تشريعية وتحليلية تستحضر الأبعاد القانونية والتربوية المرتبطة بدور المعلم في تنزيل سياسات التعليم الدامج؛ حيث تنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن ضمان الحقوق المهنية والقانونية للمعلمين يشكل شرطا أساسيا لتحسين جودة التعليم وتحقيق العدالة التربوية داخل المؤسسات الدامجة. وتعتمد الدراسة على تحليل النصوص التشريعية الوطنية والمواثيق الدولية ذات الصلة بحقوق المعلمين مع ربطها بالواقع العملي للممارسة التربوية، كما تسلط الضوء على العلاقة الوثيقة بين احترام حقوق المعلمين واستقرارهم المهني وبين فعالية التعليم الدامج وقدرته على الاستجابة لتنوع حاجات المتعلمين، إذ تبرز الدراسة التحديات القانونية والإدارية التي تعيق تفعيل هذه الحقوق خاصة في ظل تعدد الأعباء المهنية وضعف آليات الدعم المؤسسي.

الكلمات المفتاحية
حقوق المعلمين، المدارس الدامجة، التشريع التربوي، جودة التعليم، الحماية القانونية

مقدمة

يشكل المعلم ركيزة أساسية في تحقيق أهداف التربية الدامجة باعتباره الفاعل المباشر في تنزيل السياسات التعليمية وتحويل المبادئ القانونية إلى ممارسات تربوية واقعية داخل الفصل الدراسي، فنجاح المدارس الدامجة لا يرتبط فقط بتوفير البنيات التحتية أو تكييف المناهج الدراسية بل يتوقف بالأساس على تمكين المعلمين من حقوقهم المهنية والقانونية بما يضمن لهم الاستقرار الوظيفي والدعم المؤسساتي والاعتراف بدورهم الحيوي في التعامل مع تنوع المتعلمين واختلاف احتياجاتهم التعليمية. ومن هذا المنطلق تبرز أهمية دراسة حقوق المعلمين في المدارس الدامجة بوصفها مدخلا أساسيا لتحسين جودة التعليم وتحقيق العدالة التربوية.

لقد أفرز التحول نحو التعليم الدامج مجموعة من الالتزامات الجديدة الملقاة على عاتق المعلمين؛ حيث أصبحوا مطالبين بتبني استراتيجيات تدريس مرنة ومتكيفة مع الفروق الفردية والعمل ضمن فرق متعددة التخصصات والتفاعل مع أسر المتعلمين ومختلف الفاعلين التربويين، غير أن توسيع مهام المعلم دون مواكبة قانونية ومؤسساتية كافية يطرح إشكالات عميقة تتعلق بحماية حقوقه المهنية وضمان ظروف عمل لائقة تحترم كرامته وتقدير جهوده. وعليه فإن مقاربة حقوق المعلمين في سياق التربية الدامجة تكتسي بعدا قانونيا وتربويا في آن واحد.

تؤكد الدراسات التربوية أن احترام حقوق المعلمين ينعكس بشكل مباشر على جودة العملية التعليمية، فالمعلم الذي يتمتع بالأمن الوظيفي والدعم المهني يكون أكثر قدرة على الإبداع والابتكار داخل الفصل الدراسي وأكثر استعدادا لتبني ممارسات دامجة تستجيب لحاجات جميع المتعلمين. وفي هذا السياق يشير Ingersoll و Smith 2003 إلى أن تدهور ظروف عمل المعلمين وغياب الاعتراف المؤسسي بدورهم يؤديان إلى ضعف الأداء التربوي وارتفاع معدلات الإجهاد المهني وهو ما يؤثر سلبا على استقرار المنظومة التعليمية. وانطلاقا من ذلك س يسعى هذا المقال إلى تحليل الإطار التشريعي المنظم لحقوق المعلمين في المدارس الدامجة مع إبراز العلاقة الوثيقة بين هذه الحقوق وجودة التعليم المقدم، كما تتناول الدراسة التحديات القانونية والإدارية التي تعيق تفعيل هذه الحقوق على أرض الواقع مع الاستناد إلى نماذج ودراسات حالة تسلط الضوء على آليات الحماية القانونية المتاحة للمعلمين. وفي ضوء ذلك تقترح هذه الأخيرة مجموعة من التوصيات العملية الرامية إلى تعزيز حقوق المعلمين ودعم أدائهم التربوي بما ينسجم مع المعايير الدولية للتعليم الدامج ويستجيب للخصوصيات الوطنية.

أولا: حقوق المعلمين في التشريعات الوطنية والدولية

تشكل حقوق المعلمين جزءا لا يتجزأ من منظومة الحق في التعليم باعتبار أن المعلم يمثل الدعامة الأساسية التي يقوم عليها تنفيذ السياسات التعليمية وتحقيق أهدافها داخل المؤسسات التربوية، فالاعتراف القانوني بحقوق المعلمين لا يندرج في إطار الحماية المهنية فحسب بل يعد شرطا جوهريا لضمان تعليم منصف ودامج يستجيب لمتطلبات الجودة وتكافؤ الفرص. وقد أفرز التحول نحو التعليم الدامج توجها تشريعيا متناميا يقر بضرورة تعزيز الوضعية القانونية والمهنية للمعلمين بالنظر إلى الأدوار المتزايدة التي يضطلعون بها داخل الفضاء المدرسي.

على المستوى الدولي أكدت المواثيق والاتفاقيات ذات الصلة بالحق في التعليم على المكانة المحورية للمعلم في إنجاح العملية التعليمية، فقد شددت الإعلانات الدولية الصادرة عن منظمة الامم المتحدة على أن جودة التعليم لا يمكن فصلها عن ظروف عمل المعلمين وحقوقهم المهنية، كما أكدت اتفاقية حقوق الاشخاص ذوي الإعاقة على ضرورة تهيئة بيئة تعليمية دامجة قائمة على دعم المعلمين وتمكينهم من التكوين المستمر والوسائل البيداغوجية المناسبة من أجل الاستجابة لحاجات المتعلمين المختلفة، ويعكس هذا التوجه وعيا دوليا متزايدا بأهمية الاستثمار في المعلم بوصفه فاعلا محوريا في تحقيق الادماج التربوي والاجتماعي. وفي السياق ذاته أكدت منظمة اليونسكو أن المعلمين يشكلون الركيزة الاساسية لنجاح التعليم الدامج وأن ضمان حقوقهم المهنية يعد مدخلا ضروريا لتحقيق تعليم جيد ومنصف، فقد دعت المنظمة إلى اعتماد سياسات تعليمية شاملة توفر للمعلمين الحماية القانونية والدعم المهني والتكوين المستمر مع اشراكهم في صياغة وتنفيذ السياسات التربوية(UNESCO 2015) وتؤكد هذه التوصيات أن أي اصلاح تعليمي لا يستحضر وضعية المعلم القانونية والمهنية يظل محدود الاثر وقابلا للفشل على المدى المتوسط والبعيد.

إن التشريعات التعليمية الوطنية تنص في مجملها على مجموعة من الحقوق المهنية للمعلمين مثل الحق في الاستقرار الوظيفي والحق في الترقية والتكوين، غير ان هذه النصوص غالبا ما تتسم بطابع عام ولا تراعي خصوصيات العمل داخل المدارس الدامجة، إذ يلاحظ غياب تنصيص صريح على الالتزامات المهنية الاضافية التي يتحملها المعلمون عند تدريس المتعلمين ذوي الاحتياجات الخاصة كما تغيب اليات واضحة للتعويض والدعم النفسي والمهني الموازي لهذه المسؤوليات.

تبرز في هذا السياق إشكالية ضعف التنسيق بين التشريعات التعليمية والسياسات الاجتماعية والصحية ذات الصلة بالتعليم الدامج. فنجاح الدمج المدرسي يتطلب تكاملا بين مختلف القطاعات المعنية غير ان هذا التكامل يظل محدودا على المستوى التشريعي مما ينعكس سلبا على وضعية المعلم داخل المدرسة الدامجة، ويؤدي هذا القصور الى تحميل المعلم مسؤوليات تتجاوز اختصاصه المهني دون توفير حماية قانونية كافية. وقد اكدت دراسات تربوية حديثة ان غياب الحماية القانونية والدعم المؤسسي للمعلمين يسهم في ارتفاع معدلات الارهاق المهني وضعف الرضا الوظيفي وهو ما يؤثر سلبا على جودة التعليم وعلى استقرار المنظومة التربوية Ingersoll and Smith 2003 وفي سياق التعليم الدامج تتضاعف هذه المخاطر نظرا لتعقيد المهام التربوية وتعدد الفاعلين داخل المدرسة. وانطلاقا من ذلك تبرز الحاجة الى مراجعة شاملة للاطار التشريعي الوطني بما يضمن ادماج صريح لحقوق المعلمين في المدارس الدامجة مع وضع اليات تنفيذ ومراقبة فعالة، كما يقتضي الامر ملاءمة التشريعات الوطنية مع المعايير الدولية ذات الصلة بحقوق المعلمين والتعليم الدامج بما يعزز مكانة المعلم ويحسن جودة التعليم، ومن ثم فان تعزيز حقوق المعلمين لا يعد مطلبا فئويا بل يمثل خيارا استراتيجيا لضمان نجاح التربية الدامجة وتحقيق العدالة التعليمية.

ثانيا: العلاقة بين حقوق المعلمين وجودة التعليم

تؤكد الادبيات التربوية والقانونية أن جودة التعليم لا يمكن فصلها عن وضعية المعلم المهنية والقانونية باعتباره الفاعل المركزي في تنزيل السياسات التعليمية داخل الفصول الدراسية، فاحترام حقوق المعلمين وضمان استقرارهم المهني يشكلان شرطا بنيويا لنجاح العملية التعليمية وتحقيق اهدافها التربوية والاجتماعية. ويكتسي هذا الارتباط اهمية خاصة في سياق التعليم الدامج الذي يقوم على مبدأ الاستجابة لتنوع حاجات المتعلمين وضمان تكافؤ الفرص داخل المدرسة. إن المعلم الذي يشتغل في بيئة قانونية داعمة يتمتع بحماية مؤسساتية واضحة يكون اكثر قدرة على التركيز على مهامه التربوية والانخراط الايجابي في تطوير الممارسات التعليمية، فتوفر الضمانات القانونية المتعلقة بالاستقرار الوظيفي والحق في التكوين المستمر والاعتراف المهني يسهم في تعزيز دافعية المعلم ورفع مستوى التزامه الوظيفي. ويؤدي ذلك الى تحسين جودة التعلمات وتطوير المناخ المدرسي بما يخدم مصلحة جميع المتعلمين دون تمييز.

في المقابل فإن غياب الحماية القانونية الكافية للمعلمين ينعكس سلبا على جودة التعليم ويؤدي الى تدهور المردودية التربوية. فالمعلم الذي يواجه ضغوطا ادارية ومهنية دون سند قانوني واضح يكون اكثر عرضة للاجهاد المهني وضعف الرضا الوظيفي، وهذا ما قد اثبتت دراسات متعددة أن ارتفاع مستويات الاجهاد المهني يؤثر بشكل مباشر على أداء المعلم داخل الفصل الدراسي ويحد من قدرته على الابتكار وتكييف استراتيجيات التدريس مع حاجات المتعلمين .Ingersoll and Smith 2003

تشير تقارير دولية الى أن نجاح التعليم الدامج يرتبط ارتباطا وثيقا بتوفير ظروف عمل ملائمة للمعلمين تقوم على الاعتراف بدورهم المحوري وتقدير مجهوداتهم، فقد اكدت منظمة اليونسكو أن الاستثمار في حقوق المعلمين يشكل استثمارا مباشرا في جودة التعليم وفي تحقيق أهداف الانصاف والإدماج. ويعكس هذا الطرح فهما عميقا للعلاقة التفاعلية بين الوضعية القانونية للمعلم وبين ادائه التربوي داخل الفصل الدراسي.

ومن منظور قانوني فان ضمان حقوق المعلمين يسهم في ترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة داخل المنظومة التعليمية، فوجود اطار تشريعي واضح يحمي المعلم من التعسف الاداري ويضمن له الحق في التكوين والدعم المهني يعزز الثقة بين الفاعلين التربويين والمؤسسات التعليمية، كما يسهم في خلق مناخ مهني مستقر يشجع على الالتزام الوظيفي ويحد من ظواهر التغيب والتسرب المهني التي تؤثر سلبا على استمرارية التعلمات، كما ان العلاقة بين حقوق المعلمين وجودة التعليم تتجلى أيضا على مستوى العدالة التعليمية، فالمعلم الذي يتمتع بحقوقه يكون أكثر قدرة على التعامل العادل مع المتعلمين واحترام خصوصياتهم الفردية. وفي سياق التعليم الدامج يعد هذا الأمر أساسيا لضمان عدم اقصاء المتعلمين ذوي الاحتياجات الخاصة وتمكينهم من حقهم في تعليم جيد ومنصف ومن ثم فان حماية حقوق المعلمين تسهم بشكل غير مباشر في حماية حقوق المتعلمين وتعزيز مبدأ تكافؤ الفرص.

وانطلاقا من ذلك يمكن القول إن الاستثمار في حقوق المعلمين يمثل خيارا استراتيجيا لتحسين جودة التعليم وضمان استدامة سياسات التعليم الدامج. فإن أي إصلاح تعليمي لا يضع المعلم في صلب الاهتمام القانوني والمؤسساتي يظل اصلاحا جزئيا محدود الاثر. ومن ثم فان تعزيز حقوق المعلمين يشكل مدخلا أساسيا لتحقيق تعليم دامغ قائم على الانصاف والجودة والفعالية.

ثالثا: التحديات القانونية والإدارية

يواجه المعلمون في المدارس الدامجة مجموعة من التحديات القانونية والإدارية التي تعيق التفعيل الفعلي لحقوقهم المهنية وتحد من قدرتهم على أداء مهامهم التربوية بكفاءة. وتنبع هذه التحديات من طبيعة التحول الذي عرفته المنظومة التعليمية نحو اعتماد التعليم الدامج دون أن يواكبه تطوير متكامل للاطار التشريعي والتنظيمي المنظم لوضعية المعلمين. ويؤدي هذا الوضع إلى خلق فجوة بين الالتزامات المهنية المتزايدة المفروضة على المعلم وبين الضمانات القانونية المتاحة لحمايته.

من أبرز التحديات القانونية التي تواجه المعلمين في المدارس الدامجة غموض النصوص التشريعية المتعلقة بتحديد المسؤوليات المهنية، فالتشريعات التعليمية غالبا ما تكتفي بوضع قواعد عامة تنظم مهنة التعليم دون التمييز بين خصوصيات التعليم العادي ومتطلبات التعليم الدامج. ويترتب عن هذا الغموض تحميل المعلمين مسؤوليات إضافية تتعلق بتكييف المناهج والتعامل مع حالات تربوية معقدة دون تحديد واضح لحدود هذه المسؤوليات أو طبيعتها القانونية، كما يؤدي غياب التنصيص الصريح على هذه الالتزامات إلى صعوبات في مساءلة الادارة التربوية وضمان حقوق المعلمين في حالة النزاع.

يرتبط بهذا التحدي ضعف آليات الحماية القانونية المتاحة للمعلمين في مواجهة النزاعات الإدارية والمهنية، فالمعلمون في المدارس الدامجة يكونون اكثر عرضة للنزاعات المرتبطة بتقييم الاداء وتحميل المسؤولية عن تعثرات التعلم أو صعوبات الدمج، غير أن غياب مساطر قانونية واضحة للانصاف والتظلم يجعل المعلم في وضعية هشاشة قانونية ويحد من قدرته على الدفاع عن حقوقه المهنية. أكدت دراسات تربوية أن ضعف الحماية القانونية يسهم في ارتفاع مستويات القلق المهني ويؤثر سلبا على جودة الأداء التربوي، وبالتالي تشكل عائقا على المستوى القانوني والإجرائي. يضاف إلى ذلك تحدي نقص التكوين المتخصص والدعم البيداغوجي المستمر، فالتعليم الدامج يتطلب كفاءات مهنية خاصة تتعلق بالتعامل مع التنوع وتوظيف بيداغوجيات تفاضلية والعمل ضمن فرق متعددة التخصصات غير أن العديد من المعلمين يزاولون عملهم داخل المدارس الدامجة دون الاستفادة من تكوين كاف يؤهلهم لمواجهة هذه التحديات. ويؤدي هذا النقص إلى شعور المعلمين بعدم الكفاءة المهنية وزيادة الضغوط النفسية المرتبطة بالممارسة التربوية اليومية، كما تشكل التحديات الادارية عاملا مؤثرا في اضعاف تفعيل حقوق المعلمين داخل المدارس الدامجة، إذ تعاني هذه المدارس في كثير من الحالات من تعقيد المساطر الادارية وتعدد المتدخلين دون وجود تنسيق فعال بينهم مما يؤدي إلى تحميل المعلم أعباء ادارية اضافية على حساب مهامه التربوية مما يضعف جودة التعليم ويؤثر على المناخ المدرسي، كما أن غياب وضوح في توزيع الأدوار بين الادارة التربوية والاطر الداعمة يخلق حالة من التداخل الوظيفي ويزيد من حدة التوتر المهني.

يبرز في هذا السياق غياب التنسيق الفعال بين القطاعات المعنية بالتعليم والصحة والحماية الاجتماعية، فنجاح التعليم الدامج يقتضي تكاملا مؤسساتيا يضمن توفير الدعم الطبي والنفسي والاجتماعي للمتعلمين وللمعلمين على حد سواء، غير أن هذا التكامل يظل محدودا على المستوى العملي مما يؤدي إلى تحميل المعلم مسؤوليات تتجاوز اختصاصه المهني. ويؤثر هذا القصور سلبا على وضعية المعلم داخل المدرسة الدامجة ويضعف شعوره بالدعم المؤسسي.

تنعكس هذه الاختلالات القانونية والادارية على ثقة المعلمين في المنظومة القانونية وفي السياسات التعليمية المعتمدة، فالمعلم الذي يشعر بغياب الحماية القانونية والدعم الاداري يكون اقل استعدادا للانخراط الفعلي في تطبيق سياسات الدمج، وقد يؤدي ذلك إلى تطبيق شكلي للتعليم الدامج لا يحقق اهدافه التربوية والاجتماعية، كما يسهم هذا الوضع في بروز ممارسات دفاعية لدى المعلمين تهدف إلى تقليص المخاطر المهنية بدل التركيز على تطوير الممارسات التعليمية.

وانطلاقا من ذلك تبرز الحاجة إلى اعتماد مقاربة شمولية لمعالجة التحديات القانونية والادارية التي تواجه المعلمين في المدارس الدامجة، وتشمل هذه المقاربة مراجعة النصوص التشريعية بما يضمن وضوح المسؤوليات المهنية وتعزيز آليات الحماية القانونية وتوفير التكوين المتخصص والدعم البيداغوجي المستمر، كما تقتضي تعزيز التنسيق بين القطاعات المعنية بما يخفف العبء عن المعلم ويمكنه من التركيز على دوره التربوي الاساسي ومن ثم فإن تجاوز هذه التحديات يعد مدخلا ضروريا لتعزيز حقوق المعلمين وضمان جودة التعليم الدامج.

رابعا: دراسات حالات حول حماية حقوق المعلمين

تعد دراسات الحالة من أهم الادوات المنهجية التي تتيح فهما معمقا لواقع حماية حقوق المعلمين داخل المدارس الدامجة وذلك من خلال تحليل التجارب التطبيقية في سياقات تشريعية ومؤسساتية مختلفة. وتبرز هذه الدراسات كيف يمكن للسياسات القانونية والتنظيمية أن تؤثر بشكل مباشر على وضعية المعلم المهنية وعلى جودة التعليم الدامج، كما تكشف الفجوة القائمة بين النصوص القانونية والممارسة الفعلية داخل المؤسسات التعليمية.

في هذا السياق أظهرت تجارب بعض الدول التي اعتمدت إطارا تشريعيا واضحا لحماية حقوق المعلمين نتائج إيجابية على مستوى استقرارهم المهني وجودة الأداء التربوي، فقد بينت دراسة حالة في عدد من الدول الأوروبية ان اعتماد نصوص قانونية صريحة تنظم عمل المعلمين في المدارس الدامجة أسهم في تعزيز ثقتهم في المنظومة التعليمية وفي رفع مستوى التزامهم الوظيفي، وقد شملت هذه النصوص ضمان الحق في التكوين المتخصص والدعم البيداغوجي المستمر والحماية من النزاعات الإدارية المرتبطة بتعقيدات التعليم الدامج، ففي كندا على سبيل المثال تم اعتماد سياسات تعليمية دامجة ترتكز على اشراك المعلمين في صياغة البرامج التربوية وتوفير اليات دعم قانوني ومهني واضحة. وقد اظهرت دراسات ميدانية أن هذا النهج اسهم في تحسين ظروف عمل المعلمين وفي تطوير ممارسات تعليمية دامجة اكثر فعالية، كما سجلت هذه التجربة انخفاضا ملحوظا في مستويات الاجهاد المهني وارتفاعا في مؤشرات الرضا الوظيفي لدى المعلمين Florian 2014ويعكس هذا النموذج اهمية المقاربة التشاركية في تعزيز حماية حقوق المعلمين.

وفي المقابل تكشف دراسات حالة في بعض الدول النامية عن محدودية الحماية القانونية الممنوحة للمعلمين في المدارس الدامجة، إذ غالبا ما يتم اعتماد سياسات دمج دون مواكبة تشريعية كافية تحدد حقوق المعلمين وواجباتهم في هذا السياق. وقد بينت تقارير دولية أن هذا القصور يؤدي الى تحميل المعلمين مسؤوليات إضافية دون توفير دعم قانوني او مؤسساتي ملائم مما ينعكس سلبا على جودة التعليم وعلى استدامة سياسات الدمج، كما اظهرت دراسة حالة في عدد من الدول العربية ان غياب نصوص تنظيمية واضحة تتعلق بالتعليم الدامج يشكل عائقا رئيسيا أمام حماية حقوق المعلمين، ففي هذه السياقات غالبا ما يواجه المعلمون ضغوطا إدارية متزايدة ونقصا في التكوين المتخصص مع غياب اليات فعالة للإنصاف القانوني في حالة النزاعات، وقد اسهم هذا الوضع في بروز ممارسات تعليمية تقليدية لا تستجيب لمتطلبات التعليم الدامج وتحد من اندماج المتعلمين ذوي الاحتياجات الخاصة.

تبرز دراسات حالة أخرى اهمية دور النقابات المهنية وهيئات الوساطة في حماية حقوق المعلمين داخل المدارس الدامجة، ففي بعض التجارب الدولية اسهم وجود اطار نقابي قوي في الدفاع عن حقوق المعلمين والمطالبة بتعديل التشريعات بما يتلاءم مع متطلبات التعليم الدامج، وقد ادى ذلك الى تحسين شروط العمل وتعزيز اليات الحماية القانونية مما انعكس ايجابا على جودة التعليم Darling Hammond 2017 ويؤكد هذا المعطى أن حماية حقوق المعلمين لا تقتصر على النصوص القانونية بل تتطلب أيضا وجود مؤسسات فاعلة تسهر على تفعيلها. ومن جهة اخرى كشفت دراسات مقارنة ان الدول التي استثمرت في تكوين المعلمين ودعمتهم قانونيا حققت تقدما ملحوظا في مجال التعليم الدامج، إذ اظهرت هذه الدراسات ان توفير التكوين المستمر المصحوب بحماية قانونية واضحة يسهم في تعزيز كفاءة المعلمين وقدرتهم على مواجهة التحديات التربوية المعقدة، كما يعزز هذا النهج ثقة المعلمين في السياسات التعليمية ويشجعهم على الابتكار والتجديد في الممارسات الصفية.

وانطلاقا من ذلك تبرز أهمية الاستفادة من دراسات الحالة المقارنة في تطوير السياسات الوطنية المتعلقة بالتعليم الدامج، إذ تتيح هذه الدراسات استخلاص الدروس العملية وتكييفها مع الخصوصيات الوطنية بما يعزز حماية حقوق المعلمين ويدعم اداءهم التربوي. ومن ثم فان اعتماد اطار قانوني واضح ومستند الى التجارب الناجحة يشكل خطوة اساسية نحو بناء مدرسة دامجة قائمة على الانصاف والجودة والاستدامة.

خامسا: توصيات لتعزيز حقوق المعلمين ودعم الأداء التربوي

تؤكد المعطيات التشريعية والدراسات المقارنة أن تعزيز حقوق المعلمين يشكل مدخلا اساسيا لضمان جودة التعليم الدامج واستدامته، وانطلاقا من التحليل السابق يمكن اقتراح مجموعة من التوصيات العملية ذات الطابع القانوني والمؤسساتي والتربوي من شأنها دعم وضعية المعلمين وتحسين ادائهم المهني.

تتمثل التوصية الاولى في ضرورة مراجعة التشريعات التعليمية بما يضمن التنصيص الصريح على حقوق المعلمين العاملين في المدارس الدامجة مع مراعاة خصوصيات هذا النمط التعليمي. ويقتضي ذلك تحديد المسؤوليات المهنية الإضافية المرتبطة بالتعليم الدامج بشكل واضح وربطها بحقوق مهنية موازية تشمل التعويض والدعم القانوني والتكوين المتخصص، كما ينبغي ملاءمة التشريعات الوطنية مع المعايير الدولية ذات الصلة بحقوق المعلمين والتعليم الدامج بما يعزز الانصاف المهني.

تتجلى التوصية الثانية في تعزيز آليات الحماية القانونية للمعلمين من خلال إحداث مساطر واضحة للانصاف والتظلم في حالة النزاعات الإدارية والمهنية، فوجود اطار قانوني فعال لحماية المعلم يسهم في ترسيخ الثقة في المنظومة التعليمية ويحد من الشعور بالهشاشة القانونية، أما التوصية الثالثة فتتعلق بضرورة الاستثمار في التكوين المستمر والدعم البيداغوجي للمعلمين داخل المدارس الدامجة، فنجاح التعليم الدامج رهين بامتلاك المعلمين لكفاءات مهنية متخصصة تمكنهم من التعامل مع تنوع الحاجات التعليمية. ويستوجب ذلك اعتماد برامج تكوين مستدامة ومندمجة تراعي المستجدات التربوية والنفسية المرتبطة بالتعليم الدامج.

تتمثل التوصية الرابعة في تعزيز التنسيق المؤسساتي بين القطاعات المعنية بالتعليم والصحة والحماية الاجتماعية، فالتكامل بين هذه القطاعات يخفف العبء عن المعلم ويمكنه من التركيز على دوره التربوي الاساسي كما يسهم هذا التنسيق في توفير دعم شامل للمتعلمين وللمعلمين على حد سواء وتسهم في تحسين تنزيل الاصلاحات التعليمية على ارض الواقع.

خاتمة

 في الأخير خلصت هذه الدراسة إلى أن حقوق المعلمين تشكل ركيزة أساسية في انجاح التعليم الدامج وتحقيق جودة التعليم، فقد أبرز التحليل أن المعلم يمثل الفاعل المركزي في تنزيل السياسات التعليمية وأن اي اصلاح تربوي لا يستحضر وضعه القانوني والمهني يظل محدود الأثر، كما بينت الدراسة أن غياب الحماية القانونية والدعم المؤسسي الكافي يؤدي إلى اضعاف الأداء التربوي والى تطبيق شكلي لسياسات الدمج.

وقد اظهرت التجارب المقارنة أن النظم التعليمية التي استثمرت في حقوق المعلمين ووفرت لهم بيئة قانونية ومهنية داعمة حققت نتائج ايجابية على مستوى جودة التعليم واندماج المتعلمين، في المقابل تواجه النظم التي أهملت وضعية المعلم تحديات بنيوية تعيق تحقيق اهداف التربية الدامجة. وانطلاقا من ذلك تؤكد الدراسة أن تعزيز حقوق المعلمين لا يعد مطلبا مهنيا فئويا بل خيارا استراتيجيا لبناء مدرسة دامجة قائمة على الإنصاف والجودة والاستدامة ومن ثم فإن تطوير الاطار التشريعي والمؤسساتي الداعم للمعلمين يشكل شرطا ضروريا لتحقيق الحق في التعليم وضمان تكافؤ الفرص بين جميع المتعلمين.

لائحة المراجع

Darling Hammond L (2017), Teacher education around the world What can we learn from international practice European Journal of Teacher Education .

Florian L (2014), Preparing teachers to work in inclusive classrooms Key lessons for the professional development of teacher educators from Scotland Journal of Teacher Education

Ingersoll R M Smith T M (2003), The wrong solution to the teacher shortage Educational Leadership UNESCO 2015 Teachers rights and professional development in inclusive education UNESCO Publishing

United Nations (2006), Convention on the Rights of Persons with Disabilities, United Nations 

إرسال تعليق

0 تعليقات

إرسال تعليق (0)
3/related/default