التربية
الدامجة رؤية استراتيجية للإصلاح
التربوي(2030- 2015)
ملخص
يتناول هذا المقال موضوع التربية
الدامجة باعتبارها رؤية استراتيجية جوهرية ضمن إطار الإصلاح التربوي للفترة
الممتدة ما بين سنة 2015 وسنة 2030؛ حيث يسعى النص إلى تشريح مفاهيم الإدماج
والتخطيط لهذه الرؤية في ضوء التحديات الراهنة وينطلق البحث من تعريف التربية الدامجة
ليس مجرد نقل للتلاميذ ذوي الحاجات الخاصة إلى المدارس العادية بل باعتبارها
منهجية شاملة تهدف إلى تحقيق العدالة التعليمية والنوعية للجميع بغض النظر عن
اختلافاتهم الفيزيائية أو العقلية أو الاجتماعية أو الاقتصادية. ويقوم المقال
بتحليل مكانة التربية الدامجة في الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 من خلال استقراء
أهدافها ومحاورها الأساسية، كما يسلط الضوء على الآليات التنفيذية والديداكتيكية
والبيداغوجية الكفيلة بتحويل هذه الرؤية إلى ممارسة ملموسة داخل المؤسسات
التعليمية ويتوقف المقال عند التحديات والعقبات البنيوية والثقافية التي قد تحول
دون تنزيل هذه الرؤية على أرض الواقع مقدما في المقترحات والتوصيات التي تهدف إلى
تجاوز هذه المعوقات وضمان نجاح الإصلاح التربوي الرامي إلى بناء مدرسة دامجة فعلا
ومفعلا لدورها المجتمعي.
الكلمات المفتاحية
التربية الدامجة، الإصلاح التربوي، الرؤية الاستراتيجية 2015-2030، العدالة التعليمية، الإدماج المدرسي ،المساواة في
الفرص، بيداغوجيا الإدماج، الفوارق الاجتماعية.
مقدمة
يعد التعليم الركيزة الأساسية التي
تنهض عليها الأمم وتتقدم بها الشعوب، إذ يعتبر المحرك الحقيقي للتنمية البشرية
المستدامة والمحور الفاعل في بناء مجتمعات المعرفة والديمقراطية ومن هذا المنطلق
أولت معظم النظم التربوية العالمية اهتماما بالغا لقضية الجودة والإنصاف في
التعليم ساعية إلى توفير فرص متكافئة لجميع المتعلمين دون استبعاد أو تهميش وفي
هذا السياق برز مفهوم التربية الدامجة كتوجه عالمي حديث يهدف إلى تجاوز نماذج
التعليم التقليدية التي كانت تعاني من أشكال متعددة من التمييز والإقصاء؛ حيث لم
يعد الهدف مجرد تعليم الأطفال القادرين على الالتحاق بالمدارس العادية بل أصبح
الهدف الأسمى هو ضمان حق كل طفل في التمتع بتجربة تربوية غنية ومتنوعة تستجيب
لحاجاته الفردية وتمكنه من المشاركة الكاملة الفاعلة في الحياة المدرسية
والاجتماعية، وقد جاءت الرؤية الاستراتيجية لإصلاح منظومة التربية والتكوين والبحث
العلمي 2015-2030 في المغرب كتجلي لهذا الوعي الجديد؛ حيث وضعت التربية الدامجة في
صلب اهتماماتها كأحد الروافع الأساسية لبناء مدرسة جديدة ومغايرة مدرسة للجميع
ومفتوحة على مختلف الفئات الاجتماعية ومما لاشك فيه أن موضوع التربية الدامجة يحتل
أهمية قصوى في الساحة التربوية المعاصرة، إذ يرتبط ارتباطا وثيقا بمبادئ حقوق
الإنسان والعدالة الاجتماعية ويعكس تحولا فلسفيا ونموذجيا في النظر إلى الفروق
الفردية لا بوصفها عجزا أو نقصا بل بوصفها تنوعا يثري البيئة التعليمية ويغنيها
غير أن الإشكالية الجوهرية التي يطرحها هذا المقال تتمحور حول كيفية تحويل هذه
الرؤية الاستراتيجية الطموحة إلى ممارسة تربوية واقعية وما هي الشروط والآليات
والضوابط اللازمة لنجاح تفعيل التربية الدامجة ضمن أفق 2030 خاصة في وجود تحديات
بنيوية وثقافية ومالية جسيمة وانسجاما مع هذه المحددات سنحاول في هذا المقال
الإجابة عن هذه الإشكالية من خلال مقاربة تحليلية تنطلق من الإطار النظري
والمفاهيمي للتربية الدامجة، لتنتقل بعد ذلك إلى استقراء مكانتها في الرؤية
الاستراتيجية 2015-2030 ثم تستعرض الآليات التنفيذية والبيداغوجية لتجسيدها وتختتم
برصد التحديات الراهنة واقتراح السبل الكفيلة بتذليل الصعوبات وضمان نجاح هذه
الرؤية الإصلاحية الشاملة.
أولا: الأسس النظرية للتربية الدامجة
إن استيعاب مفهوم التربية الدامجة
يتطلب أولا التمييز الدقيق بينها وبين مصطلحات أخرى قريبة منها وإن كانت تختلف في
المضامين والمرامي، فإذا كان مصطلح الإدماج يشير غالبا إلى استقبال الأطفال ذوي
الاحتياجات الخاصة في المدارس العادية دون تغييرات جوهرية في المنظومة التربوية
فإن التربية الدامجة تعني رؤية أكثر شمولية وعمقا إذ تنطلق من فلسفة تقوم على حق
كل المتعلمين في التعلم معا وفي نفس الصفوف بغض النظر عن خصائصهم المختلفة سواء
أكانت عقلية أو حسية حركية أو اجتماعية أو ثقافية، ومن هذا المنطلق فالتربية
الدامجة ليست مجرد إجراء إداري أو مكاني بل هي عملية تربوية معقدة تستوجب إعادة
النظر في البنيات والمناهج وأساليب التقويم وثقافة المؤسسة التعليمية برمتها
فالدمج هنا يعني تغيير النظام ليتناسب مع المتعلم وليس تغيير المتعلم ليتناسب مع
النظام، علاوة على ذلك تستند التربية الدامجة في أساسها الفلسفي إلى مبادئ حقوق
الإنسان التي تقر وتؤكد أن التعليم حق لكل إنسان وأن التنوع البشري ظاهرة إيجابية
يجب استغلالها لتحقيق التعلم الفعال؛ حيث يرى أنصار هذا التوجه أن الفروق الفردية
بين التلاميذ هي مصدر غنى وتنوع للعملية التعليمية التعلمية ولا ينبغي النظر إليها
كعقبات تحول دون تحقيق الجودة ويترتب على هذا التصور الفلسفي تبني مدرسة شمولية
تتحمل مسؤولية إعداد جميع تلاميذها للحياة الاجتماعية والمهنية وتكافح بكل قوة كل
أشكال التمييز والتعنيف والتهميش داخل الفضاء المدرسي؛ حيث تسعى التربية الدامجة
إلى خلق بيئة تعليمية آمنة ومحفزة تقدر الذكاءات المتعددة وتنمي المهارات الشخصية
والاجتماعية للتلاميذ بجانب الكفايات المعرفية، كما أن الإطار المفاهيمي للتربية
الدامجة لا يقتصر فقط على ذوي الإعاقة بل يمتد ليشمل الفئات المهمشة اجتماعيا
واقتصاديا كأطفال الشوارع وأطفال المناطق الريفية النائية والفتيات في بعض البيئات
المحافظة وكذلك الأطفال المتفوقين والموهوبين، إذ يشكل الجميع نسيجا واحدا يتطلب
تربيات متمايزة ومتكاملة فالرؤية الدامجة ترى أن الفشل الدراسي أو التسرب المدرسي
ليس دائما نابعا من قصور عند التلميذ بل قد يكون نتيجة لنظام تعليمي لا يراعي
الخصوصيات ولا يستجيب للاحتياجات المتنوعة. وبناء عليه فالتربية الدامجة تتطلب
مراجعة جذرية للسياسات التربوية والممارسات الصفية وذلك من خلال تبني استراتيجيات
مرنة كالتقويم التكويني والتدريس التفاعلي وتكييف الموارد التعليمية بما يخدم
مصلحة جميع المتعلمين ولا ريب أن الترسانة القانونية الدولية والوطنية قد أكدت هذا
التوجه؛ حيث أصدرت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة اليونسكو العديد
من الوثائق التي تدعو إلى التعليم للجميع وترسيخ ثقافة الدمج ومما يدعم ذلك إعلان سالامنكا لعام 1994 الذي دعا الحكومات إلى
اعتماد سياسات التربية الدامجة كأداة أساسية لتحقيق التعليم للجميع، إذ إن الانتقال
من مدرسة النخبة أو مدرسة القلة إلى مدرسة الكل أو المدرسة الدامجة لم يعد خيارا
ترفيهيا بل أصبح ضرورة حتمية يفرضها الواقع المعاصر وتداعيات العولمة والتحولات
الديموغرافية والاجتماعية التي تعيشها مجتمعاتنا اليوم.
ثانيا: الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 ومكانة الإدماج
فيها
أضحت التربية الدامجة في صلب
الاستراتيجيات الكبرى لإصلاح المنظومات التربوية بفضل ما تنتجه من قيم مضافة على
مستوى التنسيب الاجتماعي وتحقيق الإنصاف والجودة، وفي هذا الإطار تبرز الرؤية
الاستراتيجية لإصلاح منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي 2015-2030 في المغرب
كوثيقة مرجعية تأسست على تشخيص دقيق لواقع التعليم وأعطت أولوية قصوى لقانون إدماج
الطفل والشباب في فضاءات تربوية سليمة وعصرية، إذ نصت الرؤية في صلب مضامينها على
ضرورة تجاوز الممارسات التقليدية والإقصائية والانتقال إلى مدرسة دامجة ومنصفة
ومبتكرة؛ حيث تؤكد هذه الوثيقة أن إصلاح المنظومة التربوية لا يمكن أن يكتمل ما دام
هناك تلاميذ مهمشون أو مستبعدون لأسباب اجتماعية أو صحية أو اقتصادية ومن ثم فقد
جعلت من جودة التعليم والإنصاف ركيزتين أساسيتين من الركائز الأربع للإصلاح إلى
جانب الحكامة والجاذبية وعلاوة على ذلك تطرح الرؤية الاستراتيجية مفهوم الدمج في
أبعاده المتعددة فتتحدث عن إدماج الطفولة المبكرة بوصفه مدخلا أساسيا للنجاح
المدرسي وعن إدماج التلميذ في محيطه الطبيعي والاجتماعي وعن إدماج المدرسة في
محيطها الاقتصادي والبيئي مما يعني أن الدمج هو مبدأ شامل يتجاوز البعد الفيزيائي
أو الحركي ليشمل الأبعاد المعرفية والسلوكية والمجتمعية، وينبغي الإشارة هنا إلى أن
الرؤية الاستراتيجية قد رصدت مجموعة من الأهداف الدقيقة المتعلقة بالتربية الدامجة
من أبرزها القضاء التدريجي على الأقسام المشتركة متعددة المستويات في العالم
القروي وتعميم التعليم الأولي وتطوير برامج دعم خاصة للفئات الهشة وتكييف برامج
التعليم الخصوصي مع المتطلبات الجديدة وإحداث أقسام للتكامل بالنسبة للأطفال ذوي
الاحتياجات الخاصة داخل المدارس العادية، ورغم هذه الأهداف إلا أن الرؤية
الاستراتيجية تركز أيضا على الجانب البيداغوجي والتربوي للدمج إذ تدعو إلى تبني
مناهج مرنة ومقسمة إلى وحدات تستجيب للسرعات المتفاوتة للتلاميذ وتشجع على التعلم
الذاتي والتعلم التعاوني مما يتيح لكل تلميذ أن يتعلم وفق إيقاعه الخاص وفي سياق
متصل تؤكد الرؤية على ضرورة إعادة النظر في مهام المدرس وأدواره بحيث يصبح ميسرا
للتعلم وموجها ومرافقا بيداغوجيا يتقن فنون التعامل مع الفروق الفردية والتنوع
الثقافي داخل القسم الواحد وكذلك تدعو الرؤية إلى تحديث المنظومة التكوينية
للمدرسين لتشحنها بمعارف وأدوات جديدة ترتبط بالتربية الدامجة كعلم النفس التربوي
وعلم التربية العلاجية وتقنيات الاتصال غير العنيفة ومن منظور الحكامة الجيدة
التربية الدامجة تتطلب بدورها تعبئة مالية ولوجستيكية مهمة لتأهيل المؤسسات
التعليمية وبنياتها التحتية لاستقبال جميع الفئات كتوفير المنحدرات والمرافق
الصحية الملائمة وتزويد المكتبات بالأدوات والتقنيات السمعية البصرية التي تناسب
ذوي الحاجات الخاصة مما يعكس تكاملا واضحا بين البعد البيداغوجي والبعد المادي
للإصلاح وفقا للرؤية الاستراتيجية لخمس عشرة سنة ،فالمدرسة الدامجة في تصور هذه
الوثيقة ليست مجرد بناء أسمنت بل هي فضاء حيوي ومتفاعل ينبض بالحياة ويشجع على الإبداع
والمشاركة والتميز ويحترم كرامة الإنسان الساعي دائما للبحث عن المعرفة، فالرؤية
الاستراتيجية 2015-2030 تطمح من خلال هذه التوجهات إلى إرساء دعائم مدرسة وطنية
ديمقراطية منفتحة تنمي لدى المتعلم القيم المواطنة والديمقراطية وترسخ لديه روح
الانتماء والاعتزاز بهويته الوطنية والإنسانية في آن واحد.
ثالثا: آليات تفعيل
التربية الدامجة في واقع الممارسة التربوية
إن الانتقال من التنظير إلى
التطبيق في مجال التربية الدامجة يتطلب تظافر مجموعة من الآليات والعمليات
الديداكتيكية والتربوية والتنظيمية التي تضمن تجسيد الرؤية الاستراتيجية على أرض
الواقع، ففي المقام الأول يأتي دور المناهج والبرامج التعليمية التي يجب أن تكون مرنة
وقابلة للتكيف والتكييف حسب حاجات المتعلمين المختلفة، إذ ينبغي تصميم مناهج تركز
على الكفايات الأساسية بدلا من التركيز على المضامين المقررة فقط مما يتيح للمدرس
حرية اختيار الأنشطة والوسائل التي تناسب قدرات تلاميذه ويمكن في هذا الصدد اعتماد
ما يعرف بالمنهاج المتمايز أو التمايز البيداغوجي الذي يسمح بتلبية حاجات كل تلميذ
داخل القسم الواحد عن طريق تنويع أنماط التقديم وأنماط الاستيعاب وأنماط الإنتاج، وإلى جانب ذلك يحتل التكوين والتأطير مكانة محورية في نجاح التربية الدامجة، إذ لا
يمكن لمدرس أن يمارس الدمج بنجاح وهو غير مؤهل علميا وأخلاقيا لذلك يقتضي الأمر
إعادة صياغة مسارات تكوين المدرسين سواء التكوين الأساسي أو التكوين المستمر؛ بحيث
يركز على تكسب الكفايات المتعلقة بالتشخيص المبكر للتعثرات الدراسية وتقنيات الدعم
البيداغوجي واستراتيجيات تدريس الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة وكيفية إدارة الصفوف
متعددة المستويات ومهارات التواصل الفعال علاوة على ذلك تتطلب الممارسة الدامجة
اعتماد تقنيات تقويمية بديلة تتجاوز قياس التحصيل المعرفي التقليدي إلى تقويم شامل
يقيس كافة جوانب الشخصية المعرفية والوجدانية والاجتماعية والحركية كاستعمال
حافظات الأعمال والمشاريع الجماعية والملاحظة المباشرة وذلك لتقدير التقدم الذي
يحققه كل تلميذ مهما كان بطيئا وتوفير تغذية راجعة بناءة تساعده على التحسن
المستمر ومن ناحية أخرى لا يمكن إغفال دور البيئة المدرسية والفضاء العام للمؤسسة
في تيسير عملية الدمج؛ فالمؤسسة الدامجة هي تلك التي تتوفر على بنية تحتية
لوجستيكية مناسبة ومجايرة لحاجات جميع التلاميذ كوجود دورات للمياه ومرافق صحية
مريحة وممرات ميسرة للحركة وكذلك توفير أجنحة خاصة للدعم النفسي والتربوي وتجهيزات
تقنية حديثة تسهل الوصول إلى المعلومة والمعرفة وثمة آلية مهمة أخرى تتمثل في
تعزيز الشراكة بين المدرسة والأسرة والمجتمع المدني، فالتربية الدامجة ليست شأنا
مدرسيا صرفا بل هي مشروع مجتمعي تشاركي يشارك فيه الأباء والجمعيات ومختلف
الفاعلين الاجتماعيين والاقتصاديون فعملية تتبع ومرافقة الطفل ذوي الحاجات الخاصة
أو الفئات الهشة تتطلب تنسيقا محكما بين المدرسة والأسرة وبين المدرسة والمصالح
الصحية والاجتماعية والجمعيات المتخصصة لضمان توفير بيئة داعمة ومساندة للطفل داخل
وخارج المؤسسة التعليمية، وبما أن التربية الدامجة ترمي إلى جعل المدرسة فضاء
للحياة والتعلم المشترك فإنها تتطلب كذلك بلورة ثقافة مدرسية جديدة تقوم على
الاحترام المتبادل والتضامن وقبول الاختلاف وتشجيع المبادرات الجماعية وتكافؤ
الفرص بين الذكور والإناث، ومن ثم يصبح تفعيل النوادي التربوية والأنشطة الموازية
والرياضية والفنية رافعة أساسية للدمج إذ تتيح لجميع التلاميذ فرصة الظهور
والتعبير عن ذواتهم وتطوير مهاراتهم بعيدا عن ضغوطات التقييم الأكاديمي التقليدي، وتجدر الإشارة أيضا إلى أهمية الحكامة والتدبير في هذا الصدد إذ يجب تحويل المدرسة
إلى مؤسسة تعليمية متمتعة بالاستقلالية الإدارية والمالية تمكنها من اتخاذ
القرارات الملائمة في الوقت المناسب لفائدة التلاميذ، كما يجب تفعيل آليات الحكامة
المشاركة التي تسمح لجميع الفاعلين التربويين بما فيهم التلاميذ بالمشاركة في
تدبير شؤون المؤسسة واتخاذ القرارات المتعلقة بالحياة المدرسية مما يعزز لديهم روح
المسؤولية والانتماء فالتشخيص المستمر لتجربة الدمج وتقييمها بصفة دورية يعتبر
آلية ضرورية لتصحيح المسار واكتشاف النقائص وتطوير الممارسات في ضوء المعطيات
الميدانية.
رابعا: التحديات والصعوبات التي تواجه تطبيق الرؤية
علاوة على المبادئ النظرية السامية
والرؤى الاستراتيجية الطموحة فإن تطبيق التربية الدامجة يواجه جملة من التحديات
والعوائق التي قد تعرقله وتحد من فاعليته إذا لم يتم التصدي لها بحزم وعقلانية، فمن
أبرز هذه التحديات العقبات الثقافية والذهنية التي لا تزال سائدة في بعض الأوساط
المجتمعية وحتى داخل المدرسة نفسها؛ حيث يتواصل النظر إلى الإعاقة أو الفروق
الفردية كوصمة عار أو كنقيص يجب إخفاؤه بدلا من الاعتراف بها كتنوع بشري طبيعي
وهذا التصور السلبي يؤدي غالبا إلى مقاومة فعلية من طرف بعض الآباء أو المدرسين
لعملية الدمج خوفا من أن يؤثر وجود تلاميذ ذوي حاجات خاصة على مستوى جودة التعليم
المقدم لذويهم أو بدافع الشفقة أو الإحساس بالدونية، ومن هذا المنطلق يتبين أن
تغيير الذهنيات والممارسات يتطلب وقتا طويلا وجهدا ملموسا في مجال التحسيس
والتكوين وإلى جانب ذلك تطرح تحديات بنيوية ومادية هامة، إذ إن العديد من المؤسسات
التعليمية مازالت تفتقر إلى البنيات التحتية الأساسية الملائمة لاستقبال الفئات
الخاصة مثل غرف المصادر والأجهزة التعويضية والمرافق الصحية المجايرة، مما يجعل
الدمج شكليا فقط غير فعال في غياب هذه الظروف المادية، كما أن الاكتظاظ داخل
الأقسام يمثل عقبة جدية أمام ممارسة التربية الدامجة فكيف للمدرس أن يراعي الفروق
الفردية ويفرق تعليمه بين ثلاثين أو أربعين تلميذا من مستويات مختلفة في وقت واحد
هذه الوضعية تكرس عمليا التعليم الموحد القائم على الطريقة الإلقائية وإهمال
الأطفال الذين لا يستطيعون مجاراة الإيقاع العام وثمة تحدي آخر يتعلق بمحدودية
الموارد البشرية المؤهلة، فالكثير من المدرسين لم يتلقوا تكوينا كافيا في مجال
التربية الدامجة أو الإدماج المدرسي مما يجعلهم يشعرون بالعجز والإحباط أمام
تلاميذ لديهم صعوبات تعلم أو إعاقات مختلفة هذا النقص في التكوين يؤدي غالبا إلى
سوء فهم الدمج واعتباره مجرد وجود جسدي للتلميذ داخل القسم دون توفير الدعم
التربوي اللازم ناهيك عن ضعف التنسيق بين القطاعات الحكومية المعنية كقطاع التربية
الوطنية ووزارة الصحة ووزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، فالتربية
الدامجة تتطلب مقاربة تشاركية وحكامة ترابية متقنة لضمان استمرارية المرافقة
والتكفل بالطفل في كل مراحل نموه وإضافة إلى هذه التحديات توجد صعوبات بيداغوجية
مرتبطة بالمناهج والمقررات الدراسية التي مازالت في مجملها متمحورة حول المعرفة
والمحتوى أكثر من كونها متمحورة حول الطفل وتنميته الشاملة، كما أنها تعاني من
الصلابة وعدم المرونة مما يصعب على المدرس القيام بعمليات التكيف والتكييف
المطلوبة لخدمة مصلحة التلاميذ المختلفين ورغم ما نصت عليه الرؤية الاستراتيجية
2015-2030 من تنقيحات للمناهج وتخفيف للبرامج فإن الممارسة اليومية تظهر فجوة
كبيرة بين النصوص والمطبق وكذلك يشكل النظام التقويمي الجامع والمنافسة المحمومة
للشغل تحديا كبيرا للتربية الدامجة، فالتركيز الكلي على النقط والنتائج يكرس
الإقصاء ويدفع المؤسسات والمدرسين على حد سواء إلى التركيز فقط على المتفوقين وعلى
من يمكنه تحقيق نتائج جيدة في الامتحانات الرسمية مما يهمش الفئات الضعيفة ويقوض
روح الدمج والتعاون التي تسعى الرؤية الجديدة إلى غرسها. وفضلا عما سبق فإن التهميش
الإعلامي للقضايا التربوية عموما ولقضايا الدمج بشكل خاص يعني أن الرأي العام غير
مدرك بما فيه الكفاية لأهمية هذه القضية مما يقلل من الضغط المجتمعي الإيجابي من
أجل المسارعة في تنفيذ الإصلاحات المطلوبة فالتحول نحو مدرسة دامجة هو مشروع
مجتمعي شامل يقتضي تغيير العقول قبل تغيير البنيات وتتطلب هذه المعادلة استثمارات
مالية ضخمة وإرادة سياسية قوية وتعبئة كل الفاعلين لرسم مسار واضح نحو المستقبل
وبناء جيل قادر على التفاعل الإيجابي مع عالم اليوم.
خاتمة
خلاصة القول إن التربية الدامجة
ليست مجرد شعار عابر أو ترف فكري بل هي ضرورة ملحة واختيار استراتيجي حتمي إذا
أردنا لمدرستنا أن تواكب ركب التقدم العالمي وتحقق الأهداف السامية التي رسمتها
الرؤية الاستراتيجية 2015-2030، فالتحليل الذي طرحناه يبين بجلاء أن الإصلاح
التربوي الرامي للدمج هو مشروع متكامل يمس جوهر المدرسة وقيمها وأهدافها وأدواتها
ورغم صعوبة المهمة وعظمة التحديات التي تعترض طريقنا، إلا أن الأمل يبقى قائما في
إمكانية تجاوز العقبات بفضل الإرادة السياسية الحقيقية وتضافر جهود جميع الشركاء
فالتربية الدامجة تظل الأداة الأنجع لتحقيق الإنصاف والتماسك الاجتماعي وتكريس قيم
المواطنة وحقوق الإنسان داخل الفضاء المدرسي وبناء مجتمع المعرفة والديمقراطية
الذي نصبو إليه جميعا ولتحقيق ذلك ينبغي العمل الجاد على تغيير الذهنيات وتأهيل
الكفاءات البشرية وتحديث البنيات التحتية واعتماد بيداغوجيات مرنة وحديثة تضع
المتعلم في قلب الاهتمام، كما تقتضي الضرورة تفعيل الحكامة التشاركية وتعزيز
التنسيق بين مختلف الفاعلين والقطاعات الوصية وفي الأخير يمكن القول إن الرهان
الحقيقي ليس في وضع القوانين والوثائق الاستراتيجية مهما كانت بل في تجسيدها وتنزيلها
في الواقع العملي داخل الغرف الصفية والمدارس والمؤسسات التعليمية، فالتربية
الدامجة هي الطريق نحو مدرسة للجميع ومن أجل الجميع مدرسة تنمي هوية المتعلم
وتكسبه الكفايات اللازمة للحياة وتحترم تنوعه واختلافه وتحوله من عبء إلى قوة
فاعلة في خدمة التنمية المستدامة ولهذا فإن السير قدما في تطبيق الرؤية
الاستراتيجية 2015-2030 ليس خيارا بل هو واجب وطني وأخلاقي يجب أن يتحمل مسؤوليته
الجميع دون استثناء.
لائحة المراجع
- المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث
العلمي،(2015) رؤية استراتيجية لإصلاح منظومة التربية
والتكوين والبحث العلمي (2015-2030)، الرباط، المغرب: مطبعة النجاح الجديدة
- اليونسكو (1994) إعلان سلامانكا وإطار العمل المتعلق بالتربية الخاصة:
الوصول إلى التعليم والجودة. باريس، فرنسا: منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم
والثقافة
- شريبي، حسن، (2009)مدرسة المستقبل للجميع. المغرب: سلسلة علوم التربية.
- عبد الحليم، العربي، (2010). الوسيط في علوم التربية (ط2). المغرب: دار النشر المغربية.
- أوزي، أحمد. (2005) سيكولوجية التعليم وتعلم اللغات، المغرب: منشورات عالم التربية. بوزيدي، أمينة، (2018). التربية الدامجة بين النظرية
والتطبيق، مجلة علوم التربية المغربية، (عدد خاص
- وزارة التربية الوطنية، (1999). الميثاق الوطني للتربية والتكوين، الرباط، المغرب: وزارة التربية الوطنية.





موضوع جيد وفي غاية الأهمية العلمية أحسنت
ردحذف