قضايا الطفولة في الوضعيات الصعبة

التربية الدامجة والتقنيات الذكية
0


قضايا الطفولة في الوضعيات الصعبة

تقديم

شهدت ظاهرة الأطفال في وضعية صعبة تحولات جوهرية في مستويات الاهتمام والرعاية عبر مسار الحضارات الإنسانية. ففي الحقب القديمة، غاب المفهوم الكامل للقيمة الإنسانية الأصيلة للطفل، حيث فرضت قسوة الحياة وصعوبات المعيشة منطقاً نفعياً يعطي الأولوية للرجال بوصفهم القادرين على مجابهة ظروف البقاء والصمود. ولم يتبلور الوعي بالطفل كفئة اجتماعية مستقلة تستحق الرعاية المتخصصة إلا مع مطلع القرن الثامن عشر.

يُظهر استقراء التاريخ وتحليل أنماط المعيشة في المجتمعات البشرية فروقاً دالة في التعامل مع هذه الفئة، مما يعكس مدى التطور الأخلاقي والإنساني الذي وصلت إليه الشعوب. ففي القرون الوسطى والعصور الحديثة المبكرة، كان التدخل لرعاية الأطفال يقع غالباً على عاتق الكنائس والمؤسسات الدينية، التي اكتفت بتوفير الحد الأدنى من الطعام والمأوى للأيتام. ومع بزوغ الثورة الصننية، واجه الأطفال تحديات أكثر خطورة؛ إذ أُجبروا على الدخول إلى سوق العمل في المصانع والمناجم في سنٍ مبكرة، مما وضعهم في ظروف قاهرة.

انطلاقاً من هذا السياق التاريخي، يثور التساؤل البحثي الجوهري: ما المقصود بقضايا الطفولة في الوضعيات الصعبة؟ للإجابة على هذه الإشكالية وتحديد الإطار النظري للموضوع، سنقوم بمناقشة المحاور التالية:

  • المحور الأول: التعريف المفاهيمي للوضعية الصعبة.
  • المحور الثاني: الإطار المرجعي لتعريف الطفل في وضعية صعبة (من منظور علم النفس والقانون).
  • المحور الثالث: نماذج وتطبيقات عملية للأطفال في الوضعيات الصعبة.

المحور الأول: مفهوم الوضعية الصعبة

يعد مصطلح "الوضعية" من المستحدثات في المعجم العربي الحديث التي استقرت استعمالاتها في حقول العلوم الإنسانية والاجتماعية، استجابةً لحاجة الترجمة والمصطلحات العلمية. فعند التأمل في المعاجم العربية التراثية الرصينة، كـ لسان العرب والمعجم الوسيط، لا نجد اللفظة بصيغة "وضعية" (بصيغة اسم الهيئة أو المكان)، بل نكتفي بمادة "وضع" للدلالة على الإطار العام، أو على المكان الذي يُوضع فيه الشيء أو الشخص، أي الإطار الزماني والمكاني (الزمكاني) المجرد.

وفي المقابل، تشير الأدبيات الغربية والمعاجم الحديثة—وفي مقدمتها معجم أكسفورد الإنجليزيإلى دقة هذا المفهوم؛ حيث يُعرَّف مصطلح "Situation" بأنه "مجموعة الظروف والعوامل المتشابكة والمتزامنة التي تحيط بحدث معين في زمان ومكان محددين، والتي تحدد طبيعة هذا الحظر وملابساته". أما مكون "الصعوبة" (Difficulty)، فيتجاوز مجرد المشكلات العابرة ليدلل على "العوائق الهيكلية، والتحديات البيئية، والمحن التي تفرض قيوداً على قدرة الفرد على التكيف أو الحركة الطبيعية".

بناءً على هذا التحليل اللساني والمفاهيمي، يمكننا الانتقال إلى تعريف إجرائي أكثر عمقاً وشمولاً. فالوضعية الصعبة ليست مجرد حضور عوائق، بل هي "حالة من عدم التوازن الديناميكي بين الذات وبيئتها؛ إذ يجد الفرد نفسه محاصراً ضمن إطار زمني ومكاني يفرض عليه ظروفاً اجتماعية وموضوعية قاسية، تؤدي إلى خلق فجوة حرجة بين واقعه المؤلم وبين مستوى تطلعاته وطموحاته المشروعة، مما يعيق تحقيقه للتكيف النفسي والاجتماعي السليم".

 المحور الثاني: مفهوم الأطفال في وضعية صعبة

يكتسب مفهوم "الطفل في وضعية صعبة" تعقيداً وتداخلاً (Conceptual Complexity) يصعب معه حصره في إطار أحادي، وذلك نظراً لتعدد زوايا الرصد سواء من المنظور السيكولوجي أو الإطار القانوني. هذا التعددية فرضت ضرورة تمييز الدلالات وتحديد المفاهيم للخروج من إشكالية الغموض التي تحيط بهذه الفئة.

أولاً: المقاربة السيكولوجية: جدلية الطبع والمر

يُطرح إشكال جوهري عند تحديد هوية "الطفل الصعب": هل هو الطفل فرط الحركة (Hyperactive)؟ أم الطفل المنسحب اجتماعياً؟ أم ذلك الذي يعاني من اضطرابات نفسية صريحة أو سلوكيات تعجرفية؟ إذا ما أُخذنا بمنظور واسع وشامل، فإن مصطلح "الطفل الصعب" يُعد مفهوماً مظلياً (Umbrella Term) يضم طيفاً واسعاً من الأطفال الذين يعانون من صعوبات متنوعة. وتكمن دقة التشخيص في التمييز بين نوعين من هذه الصعوبات:

1.   صعوبات فطرية/طبيعية: تكون تجسيداً لطبيعة الطفل وتميزه الشخصي (كالحيوية الزائدة أو الانطواء الطبيعي).

2.   صعوبات مرضية/إكلينيكية: تمثل حالات فعلية للاضطرابات النفسية المستمرة (مثل التوحد، الاكتئاب، أو فقدان الشهية العصبي).

وإلى جانب هذا التصنيف، يبرز تحدٍ تشخيصي آخر يتمثل في الفصل بين الاضطرابات النفسية الذاتية (الأمراض النفسية)، وبين اضطرابات السلوك الناتجة عن قصور تربوي. فكيف يمكن للباحث أو المختص أن يميز بين أعراض اضطراب نفسي حقيقي، وبين سلوكيات اضطرابية هي نتاج مباشر لضعف الوظيفة الأبوية أو أساليب التنشئة الخاطئة؟

للتغلب على هذا الإشكال، يمكن تصنيف "الوضعية الصعبة" في علم النفس وفق مستويين تحليليين عميقين:

المستوى التفاعلي: وتُعرف فيه الوضعية الصعبة بأنها مجموعة من العوائق التي تصيب "التفاعلات الاجتماعية" بين الطفل ورعاته، مما يضعه في بنية أسرية غير مستقرة تجعله عرضة لانحرافات سلوكية ونمائية.

المستوى السيميائي (الإنذاري): وهي بمثابة تراكم كمي ونوعي لمجموعة من العلامات والإشارات (Indicators) التي تنذر بوجود قصور أخلاقي وتربوي في المحيط المباشر للطفل. وتشير هذه العلامات إلى أن مسار حياة الطفل بات مهدداً، وهو ما يستدعي تدخلاً عاجلاً لحماية مساره التربوي والنفسي، باعتبار أن أي تعريف علمي لهذه الفئة يراعي تكاملياً الجوانب: النفسية، الصحية، الأخلاقية، والتربوية.

ثانياً: المقاربة القانونية: من الانحراف إلى الحماية

ينتقل التعريف من المجال النفسي إلى المجال القانوني ليكتسي طابعاً إجرائياً وصارماً. قانونياً، يُصنف "الأطفال في وضعية صعبة" غالباً ضمن فئة صغار السن الذين يرتكبون أفعالاً تجاوزت الحدود القانونية، أو تنامت لديهم الميولات الإجرامية بشكل ملحوظ (الجنوح)

لقد أولى المجتمع الدولي اهتماماً متزايداً بهذه الفئة منذ العقد الثاني من القرن العشرين، وذلك استجابةً للمآسي الإنسانية التي عاشها الأطفال في عالم طغت عليه المادية وتآكلت فيه شبكات التضامن الاجتماعي والقيم الأخلاقية. هذا التدهور البيئي والاجتماعي أدى إلى ظهور نماذج متعددة ومقلقة من الأطفال في وضعية صعبة، مثل: الأطفال غير المتمدرسين، الأطفال المهملين، والأطفال المتخلى عنهم.

ومن المثير للاهتمام قانونياً أنه على الرغم من اهتمام المجتمع الدولي، فإن الاتفاقيات الدولية (كاتفاقية حقوق الطفل) قد غفلت عن تقديم تعريف جازم وموحد لمصطلح "الطفل في وضعية صعبة" أو "الطفل في وضعية خطر". هذا الغياب القانوني الدولي يبرز أهمية الدراسات المقارنة في القانون الدولي، التي تسعى لاستنباط وتأطير آليات الحماية التي أولاها المجتمع الدولي لهذه الفئة، كاستراتيجية للحد من ظاهرة انحراف الأحداث التي تعتبر أحد تجليات الإجرام.

وقد سارت التشريعات الوطنية في هذا الاتهام، حيث سعت إلى ملء الفراغ التشريعي بتعريفات دقيقة. وفي هذا السياق، يأتي التعريف الوارد في القانون المغربي (في قانون المسطرة الجنائية - ق.م.ج)، والذي يُعتبر نموذجاً دقيقاً للتحديد القانوني لهذه الفئة.

نص المادة 513 من ق.م.ج المغربي: "يُعتبر الحدث البالغ من العمر أقل من ست عشرة سنة في وضية صعبة، إذا كانت سلامته البدنية أو الذهنية أو النفسية أو الأخلاقية أو تربيته معرضة للخطر..."

 المحور الثالث: نماذج الأطفال في الوضعيات الصعبة

أ- تعريف الطفل المهمل في القانون المغربي:

​يعتبر مهماً من الناحية القانونية كل طفل (ذكر أو أنثى) لم يبلغ سنه 18 سنة شمسية كاملة، إذا وجد في إحدى الحالات التالية:

​إذا ولد من أبوين مجهولين، أو ولد من أم معلومة وأب مجهول ورفضت الأم كفالته.

​إذا كان يتيماً أو تخلى عنه أبواه أو لم يكن له وسائل معروفة للعيش.

​إذا كان أبواه منحرفين ولا يقومان بواجبهما في رعايته وتوجيهه من أجل اكتساب سلوك حسن.

​ظهير 2002: المتعلق بتكفل الأطفال المهملين نص على أنه يعد طفلاً مهملاً كل قاصر لم يبلغ من العمر 18 سنة شمسية كاملة.

ب- تعريف أطفال الشوارع:

​حسب منظمة "اليونيسيف"، طفل الشارع هو:

​"كل طفل اتخذ من الشارع مقراً أو مكاناً للعيش، دون حماية أو إشراف من طرف الكبار، بحيث يصبح الشارع مكاناً يقضي فيه معظم وقته".

​التمييز بين حالتين:

​أطفال "في" الشارع: هم أطفال يعملون في الشارع لقضاء يومهم، ولكنهم يعودون في المساء إلى أسرهم (علاقة أسرية قائمة لكنها مهزوزة).

​أطفال "الشوارع": هم الذين يعيشون في الشارع بصفة دائمة، وانقطعت صلتهم تماماً بأسرهم، وأصبح الشارع هو المكان الوحيد للعيش والنمو.

ج- الأطفال المعاقون (ذوي الاحتياجات الخاصة):

​حسب منظمة الصحة العالمية:

​هو الشخص الذي لا يستطيع أن يؤمن لنفسه كلياً أو جزئياً ضروريات الحياة الفردية أو الاجتماعية نتيجة نقص خلقي في قواه العقلية أو البدنية.

​القانون 07.92 المتعلق بالرعاية الاجتماعية للمكفوفين وضعاف البصر:

​يعرف الشخص المعاق بأنه كل شخص يعاني من عجز أو قصور يحد من قدرته على القيام بوظائفه الأساسية، سواء كانت جسدية، عقلية أو حسية.

​2. أصناف أخرى من الأطفال في وضعية صعبة

أ- الأطفال ضحايا العنف والاستغلال الجنسي:

​يتخذ العنف ضد الأطفال أشكالاً متعددة:

​الاستغلال الجسدي: الضرب، التعذيب، أو الحرمان من الحاجات الأساسية.

​الاستغلال الجنسي: استغلال الطفل في أنشطة جنسية غير مشروعة، وهو من أخطر أنواع العنف لما له من آثار نفسية مدمرة.

الاستغلال الاقتصادي: تشغيل الأطفال في أعمال شاقة لا تناسب سنهم وتمنعهم من التمدرس.

ب- الأطفال المنحرفون أو في وضعية صعبة قانونياً:

​هم الأطفال الذين يرتكبون أفعالاً يعاقب عليها القانون، أو الذين يعيشون في بيئة تعرضهم للخطر الجنوحي. المشرع المغربي يركز هنا على الحماية وإعادة التربية أكثر من العقاب الزجري.

ج- الأطفال المودعون في مراكز الرعاية الاجتماعية:

​هم الأطفال الذين فقدوا السند العائلي أو الذين يعيشون في أوساط أسرية مفككة، مما يضطر الدولة أو الجمعيات لإيداعهم في مؤسسات خاصة لضمان مأواهم وتعليمهم.

​3. لائحة المراجع (المعتمدة في النص):

​القانون رقم 15.01: المتعلق بكفالة الأطفال المهملين (13 يونيو 2002).

​اتفاقية حقوق الطفل: الصادرة عن الأمم المتحدة (1989).

​القانون رقم 07.92: المتعلق بالرعاية الاجتماعية للمكفوفين وضعاف البصر.


إرسال تعليق

0 تعليقات

إرسال تعليق (0)
3/related/default